الثورة كرسم في جراح الواقع

17 أغسطس, 2014

علي الرجال ملقيا كلمته في ندوة جريدة السفير في بيروت – تصوير محمد شرارة – المصدر: السفير العربي

 

عن الحلم لمصر عام 2054: أحلام الثورة وصراع البنية وعودة الألوان

النص الكامل لمقال علي الرجال المنشور بجريدة السفير العربي يوم 7 مايو 2014 على الرابط:

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1833&refsite=arabi&reftype=articles&refzone=articles

علي الرجال

ربما تفتقد الثورة الآن الخيال، أو بالأحرى إمكانية الحلم. فالواقع ألقى بظلاله الكثيفة الكئيبة على طموحات الثورة وجموح الشباب وآمال الانتصار. فبعدما امتلأت ميادين مصر بألوان المستقبل واكتظت بشبابها، صارت الأرض مسرحاً لصراع “الآباء” حول بديلين ينتميان إلى السلطوية والاستبداد. وهكذا تبدلت ألوان الثورة المبهجة بعتمة الماضي وصراعاته، وحل ثقل الدولة وبطشها مكان أحلام الثورة وخفتها. وبدلاً من أصوات هتافات المستقبل وضجيجها، طغت أصوات القنابل ودانات المدافع وطلقات الرصاص. وربما صار الحلم شططا وجموحا في الخيال ومضياً في المستحيل.

.

كيف يمكن أن نتخيل مصر 2054؟ في البدء دعونا نقف على أرض الحاضر لننطلق إلى المستقبل. فالثورة ما هي إلا إعادة تخيّل للواقع، رسم جديد في جراح الحاضر وفتح لباب الخيال والحلم على بؤس اللحظة الراهنة، قطيعة مع تاريخ مضى، وقفز إلى مجهول يأتي، ومعركة مع اللايقين باللايقين.

 .

مصر من شرفة القطار

كيف يبدو مشهد الوادي من شرفة القطار؟ لعل أول أمر لافت للنظر هو مقالب القمامة المنتشرة على طول الوادي، سواء كنت مسافراً من الإسكندرية إلى القاهرة أم من القاهرة إلى أعماق الصعيد. ثم يأتي قبح واتساخ المعمار. والمشترك بين القاهرة ومحافظات الدلتا والصعيد هو عدم اكتمال طلاء البنايات، حيث تكون واجهاتها فقط هي الملونة وبقية المسطحات تبقى على الطوب الأحمر. كما يلاحظ غير المختص بالمعمار والتخطيط العشوائية اللامتناهية الممتدة عبر الوادي من شماله لجنوبه. ولو كنت من تعساء الحظ، أي من ركاب “التيرسو” (الدرجة الثالثة أو ما يسمى القطار المميز)، فالقبح والاتساخ سيلاحقك من الخارج والداخل، كما ستهب عليك رائحة حمامات القطار من حين لآخر لتذكرك بعفن الدولة وفشلها من ناحية، وبؤس حالة الإنسان المصري وحصاره وحَساره من ناحية أخرى. فالبنية القبيحة ستكون هى العالم بالنسبة لك حتى تنتهي من الطريق فتدخل في أحادية من القبح بدلاً من شعورك بمضاعفته.

.

أما لو كنت أكثر حظاً، من ركاب الدرجة الثانية مثلاً، فسترحم من رائحة الحمامات وسيكون الوضع داخل القطار أفضل حالا بكثير، كما سترحم من هبات التراب أو المطر في ليالي الشتاء. وإن كنت أكثر حظاً وكنت من ركاب الدرجة الأولى، فستشاهد هذا القبح من كرسيك الأكثر اتساعا وراحة. ولا يعكر صفو هذا القبح الممتد على ضفاف النهر سوى لحظات من الانقطاع، حيث يتداخل خضار الدلتا في الرؤية أو يقطع النيل صدر هذا العمران المتوحش ليعطي نفسا وحسا بالجمال. وهو ما ينم عن أن ما بقي جميلاً في هذا البلد هو فقط ما لم تمتد يد الدولة أو المجتمع إليه وبقي على حاله. وهذا صلب مشكلة التخيل وعمل الخيال. كيف نتخيل مصر بعيداً عن بطش الدولة وهيمنتها وبعيداً عن العشوائية والتخبط والزحف الاستباحي للمكان وللجمال من قبل الشبكات الزبونية في المجتمع؟ ببساطة إنها إمكانية للإبداع، لعودة الألوان، لأشكال أخرى من التنظيم والتخطيط، خيال جديد لإعادة تصور المدينة وموقع الإنسان فيها، مساحات أكثر رحابة بعيداً عن توحش النيوليبرالية واستيلائها على المدينة بل اجتياحها، الخروج من ثنائية الدولة والعشوائية.

 .

الهزيمة وبؤس الدولة وعشوائية الانفتاح

منذ خمسينيات القرن الماضي هيمنت الدولة على المجال العام بالكلية، حيث أصبحت المسؤول الأول والأوحد عن التنظيم والتخطيط والتشييد والبناء والتصور والخيال. والأهم هو هيمنتها على الجدل والنقاش العام وما هو مسموح الحديث فيه. فالطموح الناصري تجسد في دولة قوية وباطشة تقود عملية التحرر والاستقلال الوطني، ومثُل لها الاختلاف والتنوع كقيم للانشقاق والتفكك. والحرية فقط في ربوع تلك الدولة ومن خلالها، مثلما عبرت أغنية عبد الحليم الشهيرة: “صورنا صورنا يا جمال، واللي هيبعد م الميدان اللي هيبعد م الميدان عمره ماهيبان (أي يظهر) في الصورة”. كل ما هو خارج هذا الكادر هو هامش مهمش. فالصورة هي فقط كل ما يلتف حول الزعيم. وبالفعل التف كل عمل وإبداع حول الدولة ومن خلالها، وحول جسد الزعيم وما يملأه من حيز في الوجدان والواقع. واتسمت مصر بمركزية واستبداد مفرطين في التوحش والهيمنة. وهكذا انسحب هذا على المعمار حيث انتشر طراز الواقعية الاشتراكية الذي يجسده في قلب ومركز المركزية، مبنى “مجمع التحرير” رمز البيروقراطية المصرية وأكبر ساحة لتعذيب المصريين وإذلالهم بعد السجون وأقسام الشرطة. وفي الفن والأدب هيمنت الدولة على عمليتي الإنتاج والتخيل، ولكن هذا لم يمنع وجود قدر كبير من الزخم والتشجيع على العمل، فانتشرت أعمال الترجمة والصحافة والسينما، على الرغم من ضيق مساحات الحرية المتاحة، واكتسبت مركزية كبيرة في العالم العربي حيث كانت مصر مركز الصراع والقيادة، وهكذا أيضاً كانت القاهرة مركزاً للثقافة وكعبة للعرب على مستوى السياسة، وجامعات مصر على مستوى التعليم.

.

ثم تلقى الزعيم ودولته الضربة القاصمة في 1967. فالجيش ليس وحده من هزم، بل هو مشروع بأكمله، وزعيم بآماله ودولة مترهلة ومثخنة بالجراح والأعباء، ومجتمع غير قادر على التنظيم أو تجاوز الدولة. هكذا كنا وإلى هذا صرنا. ومع تلك الهزيمة، لم تعد الدولة قادرة على الإقناع ولا على السيطرة الحقيقية على المجتمع. ولأنها ألصقت المجتمع بها وغللته حولها، انحط هو الآخر مع تلك الضربة القاصمة. إلا أن الدولة ظلت محتفظة بأمرين في الهيمنة: السيادة على القرار، وهو صلب تعريف “كارل شميت” للدولة، والتصاق قطاعات كبيرة من المجتمع بها سواء وجدانياً أو مادياً من خلال جهازها البيروقراطي الضخم وشبكات الفساد والزبونية وسيطرتها على أدوات القمع والإرهاب. ثم منذ عام 2000، برزت شبكة رجال الأعمال النيوليبراليين. وليس مصادفة أن ينهار كل من الفن والدولة معاً بعد الهزيمة، فتنتشر أفلام أقرب للـ”بورنو” في فترة ما بعد النكسة وصولاً لأفلام المقاولات التي صحبت فترة الانفتاح.

.

فالانفتاح جاء في حقيقة الأمر ليعبّر عن الهزيمة وإعلان مرحلة جديدة من فشل الدولة وتركها للناس ليصرفوا أمورهم، عن طريق تشجيع الدولة للاستباحة، وما عرف وقتها “بالتهليب”، ورفع يدها عن التخطيط. وفي تلك الفترة، تجاور قبح وفشل الدولة في المعمار والتنمية مع الزحف العشوائي للسكان ولجماعات المصالح و”التهليب”، وظهرت أمراض مثل الاستيلاء على الأراضي، المعمار غير المكتمل، توحش النزعة الاستهلاكية، الجموح نحو الاقتصاد الخدمي… ثم جاءت حقبة مبارك لتزيد الطين بلة. فهي كانت حقبة استكمال الاستباحة العامة مع قبضة أمنية حديدية للشرطة، ولكنها مصحوبة بترهل وانتقائية في تطبيق القانون. ولأن الدولة والنظام السياسي أرادا مد الأمر على استقامته، جاءت حقبة التسعينيات تنجز مشروع الخصخصة بتوحش، ثم منذ 2000 بدأ الدخول في نمط نيوليبرالي يشجع على الاحتكار وتشجيع الاستثمار الخارجي الذي اتسم هو الآخر باستباحة البيئة والإنسان والموارد، ولعل أبرز مثل لهذا هو تكاثر مصانع الاسمنت الملوثة للبيئة ونمو الاستثمارات الخدمية والعقارية. المثير في الأمر، هو أن الدولة ظلت محتفظة بقدرة كبيرة على إعاقة التنمية والابداع، فهي سمحت أو تغاضت عن العشوائية والاستباحة لكنها منعت أي محاولة للتنمية والاستثمار المحلي الجاد. فمثلاً تمنع الدولة أهالي سيناء من الاستثمار الزراعي النوعي في الشمال والوسط والمناطق الحدودية، كما تعرقل البيرقراطية ومنظومة الفساد أية استثمارات صغيرة جادة ومنتجة.

.

والمشهد ببساطة يتجسد في المواصلات والانتخابات. فعلى صعيد النقل والمواصلات، فإما أن ترضخ لزحام وقلة وسائل النقل الحكومي وتقبل بقذارته وخرابه وما يمثله من جحيم محقق على الأرض، وإما أن ترضخ لتوحش واستغلال وعشوائية الميكروباصات الخاصة و”التكاتِك”. وعلى صعيد الانتخابات: فإما الحزب الوطني وهو يمثل كل من الدولة وشبكات المصالح والفساد وعلاقات زبونية صريحة، وهيمنة رأس المال الأكثر وضوحاً منذ 2005، أو أن تقبل بالتيار الإسلامي ممثلاً أيضاً لسلطوية قيمية ومجسداً لمصالح وشبكات زبونية ورأسمالية. وهكذا الحال مع الصحة والتعليم، فإما خرابات وزارة الصحة التي يتقلص عدد مستشفياتها وهي تعتمد على مجموعة من المستشفيات التي أُنشئت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أو مرحباً بك في سوق المرضى في القطاع الخاص، أو أن تصرف أمورك من خلال المستوصفات الخيرية المنتشرة في المناطق والاحياء الفقيرة.

 . 

الثورة والألوان

جاءت الثورة لتحدث قطيعة مع أحادية اللون تلك. فالميدان وشوراع الثورة تميزت بالتعدد والتنوع. جاءت لتضيف قيماً جديدة في احترام الجسد والمساحة العامة، بل يمكن الدفع بأن حركة الثورة تدور حول الجسد واحترامه وعدم مهانته وحول استعادة الفضاء والمجال العامين من سطوة الدولة. كما جاءت كاسرة لثنائية الإسلاميين / والحزب الوطني والعسكر. وعلى الرغم من الانتكاسة الحالية للثورة، فإن تلك الثنائية قد تهلهلت. ومن غير المتوقع أن تنكسر ثنائية وهيمنة عاشتا وتوغلتا لعقود في سنوات قليلة، حيث من الطبيعي أن يحصل تأرجح بين العسكر والإخوان، وبين شبكاتهما الزبونية. فتلك مثلت بنية المجتمع القديم الراسخة، كما مثلت قيماً مغرقة في الرجعية والمحافظة والاستبداد. انطلقت الثورة من تنظيمات شبكية معادية لتراتبية السلطة وهيمنة البنية على القيمة والفرد، كما هي تحاول الحفاظ على التعدد الهوياتي، أي أنها تفاوض الهويات في صراع بناء غير قائم على نفي وجود الآخر والاستحواذ والهيمنة. وكان هذا أحد أهم خطوط المعركة مع الإسلاميين وجماعة الإخوان المسلمين. وعبرت معارك الثورة عن خمسة خطوط من الصدام والتفكيك لمنظومة السلطة وهي:1- التنوع والتعدد 2- الجسد وتفكيك منظومة الأمن القديمة 3- المجال والفضاء العام وإعادة صوغها بما يتناسب مع تطلعات الحرية والانعتاق 4- المرأة وحق الوجود والمساواة وعدم انتهاك حقوقها في المجالين العام والخاص 5- العدالة الاجتماعية ونمط جديد من الإنتاج بما يواكب التحرر والتقدم الاقتصادي وبناء منظومة جديدة للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة.

. 

الثورة والمجتمع: عن الحركة البندولية للتمدد الثوري

والمتابع لحركة الثورة والمجتمع في مصر سيجد علاقة واضحة بين الحركات الثورية والفنية والفكرية وبين الميدان والفعل الثوري. فتلك الشبكات تتواصل وتتشابك في حركة ممتدة من الإبداع والتجديد يتجلى في توسع الأعمال الفنية المستقلة: فرق الغناء الجديدة، وزخم شديد في حركات المجتمع المدني والتنمية، الأفلام القصيرة والحملات، محاولات السينما المستقلة والمسرح، الحركات الاجتماعية الجديدة بما فيها المطالب الفئوية، مجموعات من الكتاب والصحافيين يحاولون تقديم جديد من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى من خلال مواقع الصحف الرئيسية مثل بوابة الشروق والمصري اليوم، حيث يُقدم نوع آخر من الصحافة والكتابة أكثر استقلالية وحرية وإبداعاً. والعلاقة التي أتحدث عنها هى تلاقي وحشد عام في الميادين والشوارع، ثم انتشار “للميدان” وقيم الثورة في الأنسجة الاجتماعية والحركات بمختلف أشكالها. أي أن هناك حركة ما بين الحشد الجماهيري الواسع وبين تلك الخلايا والشبكات. فهناك حركة “بندولية” (كرقاص ساعة الحائط) بين الحركات وما تمثله في أنسجة المجتمع، والثورة والفعل الاحتشادي. وبالتالي فالثورة لا تكون في حالة انحسار أو انكسار حينما تغيب عن الميدان، بل ينتشر الميدان ويتمدد في الأنسجة الاجتماعية ويتجلى في أشكال وأنماط أخرى من الانتاج والعمل الفني والأدبي والحقوقي والمطلبي الفئوي، حتى لو بدا في الأخير محدود النطاق والسقف.

.

إن الأعوام المقبلة ما هي إلا صراع بين منظومة السلطة وتجليات الثورة. ومن ثمّ فتوقع المستقبل مرهون بأمرين: استمرار كامل للتعفن وهيمنة الدولة وشبكات الفساد، أو أنماط جديدة من التنظيم المجتمعي وتجليات في المعمار والتنمية والتنوع والتمدد بشكل مفارِق لسطوة الدولة وعشوائية الفساد واستباحته. أي حينما ستركب القطار يمتد بصرك ويتطلع باتجاه مزيد من الألوان والجمال في المعمار والتنظيم. وربما مقعد نظيف ومتسع في حافلات الدولة، وعلاج آمن ومحترم للجميع. وربما فتيات في مقتبل العمر بتنانير قصيرة من دون أن يخشين على أنفسهن من الانتهاك والاستباحة.

Advertisements

ولن يرضى عنك المسلمون حتى تتبع ملتهم

9 أغسطس, 2014

مقال الرأي المنشور في موقع مصر العربية يوم الثلاثاء 11 فبراير 2014 على الرابط:

http://goo.gl/EYAjjD

إسماعيل الإسكندراني

(1)

يؤمن أنصار كل عقيدة بأنهم على الحق المبين الأبلج، وأن مخالفيهم على الباطل المرتبك اللجلج. ليس في ذلك حرج بكل تأكيد، ففي المسائل العملية النسبية قد يتعدد الصواب، وقد يكون هناك صائب وأصوب، أما في القضايا العقائدية المطلقة فالحق واحد والباطل متعدد، من وجهة نظر كل شخص حر الإرادة.

يقرر القرآن أنه “ولَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهَمْ”، ويفهمها المسلمون على سبيل الذم في أولئك الذين يتدخلون في عقائد غيرهم ويصادرون حقهم في الإيمان بما يشاؤون. وعلى الرغم من تقرير القرآن في كثير من آياته بالتعددية والتنوع واعتنائه بالاختلاف كطبيعة بشرية لا تزول، فإنه لسببٍ ما لا أفهمه يرى المسلمون في هذا العصر أنه من حقهم الدعوة لدينهم في البلدان ذات الأغلبية غير المسلمة، ويرفضون بشدة حرية الدعوة للعقائد الأخرى في الدول ذات الأغلبية المسلمة.

أكثرهم فجاجة يستشهد ظاهرياً بآيات من القرآن ونصوص من السنة، وألطفهم يحاول التسويغ لذلك من منظور اجتماعي سياسي، وليس حتى اجتماعي ديني، بأن “فتنة” المجتمع المسلم في دينه ستسبب اضطرابات وعواصف وبراكين وزلازل. لا أدري أين يذهب منطق هؤلاء حين يثور غضب المسلمين في بقاع الأرض ضد ما يتعرض له إخوانهم “الروهينجا” في أراكان بورما (ميانمار)، رغم أن الأغلبية البوذية تعتبرهم خطراً على النسيج الاجتماعي. فهل يقبلون أن تعقد منظمة المؤتمر الإسلامي اتفاقاً مع السلطات البورمية أن يكفل الطرفان حرية العقيدة للأقليات الدينية؟ أم أن العمالة البوذية في دول الخليج، مثلاً، من أبناء البطة السوداء؟!

بكل بجاحة واستعلاء يهلل المسلمون في هذا العصر لقصص دخول الأوروبيين والأمريكيين في دين الله أفواجاً، دون أن تُغلق المساجد أو تصادر المصاحف أو يُعتقل الدعاة الذين قد يكونون زائرين غير مواطنين، وهم في الوقت ذاته يرون أي نشاط دعوي للمسيحيين في بلدانهم الأصلية تنصيراً خطيراً يهدد أمن الدولة والمجتمع ويحقق أهداف الأجندات الخارجية الصهيوصليبية.

(2)

نشر موقع “مصر العربية” تقريراً بعنوان (“التنصير” على هامش معرض الكتاب بالإسعاف) يوم الأربعاء 5 فبراير 2014. وبغض النظر عن الخطايا المهنية التي ارتكبها الزملاء في نشر موضوع يفترض أنه مهني وليس مادة رأي، إلا أن وصف “تنصير” الذي اختارته الزميلة المحررة يلخص نظرة الأغلبية المسلمة في مصر لتوزيع الإنجيل كهدية مجانية على هامش معرض كتاب. الطريف أن المسلمين يعتبرون المسيحيين “أهل كتاب”، لكنهم يتوجسون خيفة من توزيع ذلك الكتاب ولو على هامش معرض تباع فيه الكتب من كل الألوان والأصناف. لا أدري ما الذي اخترق أذن المحررة، كما وصفت، حين قالت لها الفتاة المسيحية “مهم أننا نعرف بعض”؟! فما الخارق في هذه العبارة البسيطة التي خاطب بها القرآن المسلمين محدثهم عن خلق الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا؟

استبدال كلمة “تبشير” بمعنى نشر البشارة أو الدعوة إلى المسيحية بكلمة “تنصير” له أصل نقدي لممارسات الإرساليات الدينية الاستعمارية التي رآها الناقدون تبتز المسلمين وغيرهم من الوثنيين في أفريقيا وآسيا لنشر المسيحية قسراً. في الحقيقة، قد يكون القبطي الأرثوذكسي المحافظ أكثر حرصاً وتوجساً من إرساليات الكاثوليك الغربية، وفقاً لهذا التصور. لكن، كالعادة، تنفصل المصطلحات عن دواعي التدقيق فيها وتصير كاللبان بين أفواه لائكيه.

التقرير المنشور في موقع “مصر العربية”، ولغته المليئة بالتوجس والهواجس، يوحي بأن الفتيات المسيحيات يختطفن أطفال المسلمين على باب الكنيسة ويقمن بتنصيرهم قسراً في دور الأيتام الكنسية. ولأن توزيع نسخة فاخرة من الإنجيل كهدية تعتبر في عرف الأغلبية المسلمة منكراً يجب النهي عنه، لم تتردد الزميلة المحررة أن تدل الغيورين على دينهم على أوصاف الفتيات المسيحيات واسم إحداهن، وكذلك موقع معرض الكتاب الفرعي في محطة “الإسعاف”، لتفتح الباب على مصراعيه للاحتمالات الغبية كافة.

الجريمة التي تراجعت عنها إدارة الموقع، ولله الحمد، كانت نشر صورة لإحدى الفتيات المسيحيات واضحة الوجه مع التمويه على وجوه الفتيات المحجبات، اللاتي ساعدن المحررة في عملها “الاستقصائي الخطير”. بالطبع لا يوجد استقصاء في ذلك التقرير السخيف، ولم تمر عليه رائحة المهنة ولا الصحافة، بل كان أقرب للتحريض غير المسؤول من أي شيء آخر. والحمد لله أن المعرض قد انتهى على خير دون حوادث غبية قد تعصف بالوضع الاجتماعي السياسي المنهار أصلاً، وتدفع به إلى غياهب اقتتال طائفي نفثت فيه لغة كراهية نضح بها تقرير غير مهني نشره موقع أعتز بالكتابة فيه. فكما يقول الصعايدة “غلطة الكبير كبيرة”، لذلك أجاهد في صرف السيناريوهات السوداء عن ذهني وأنا أتخيل تداعيات نشر التقرير بصورته تلك.

(3)

يتشدق أنصار الأصالة الإسلامية في المعرفة، بالمعنى الإبستمولوجي، بأن تراتبية القيم في حضارة المسلمين يعلوها العدل، وليس الحرية التي تعليها الحضارة الغربية عما سواها. وأستغرب حقاً من تطبيقات حملة دين يؤمن بالعالمية والإنسانية، لا المحلية ولا القومية، لمفهوم العدل حين يرون أنه من حقهم أن ينْصُرُوا المسلمين في أنجولا في حين يستكثرون على الفاتيكان إصدار بيان يدافع به عن الوجود المسيحي في العراق وسوريا، أو عموم ما أسماه الشرق الأوسط.

أغلب فاتحي المناحة على المسلمين في أنجولا أو المذابح الإجرامية ضد المسلمين في أفريقيا الوسطى لم يكونوا يعرفون بوجود مسلمين في هذين البلدين، فضلاً عن جهلهم بموقعهما على الخريطة السمراء. ورغم أن الوجود المسيحي في العراق والشام وتنوعاته المذهبية والطائفية يعتبر شامة في وجه تاريخ المسلمين الممتد لقرون طويلة، إلا أن مسلمي هذا العصر لا يبالون بأن تتحول الشامة إلى وصمة عار تاريخية غير مسبوقة بدعوى انشغالهم بما هو أهم. وكأن هناك حالة من استلطاف الحروب العقائدية الاختزالية التي تتوارى فيها الدوافع الاقتصادية والسياسية والقومية وراء حق عقائدي نحتكره نحن لنحارب به باطلاً عقائدياً يتقاسمه الآخرون جميعهم.

هل يقبل مسلمو هذا العصر حلف فضول ديني عالمي تُكفل فيه الحقوق الدينية للجميع وتُصان فيه حرياتهم مهما كان عددهم أو نسبتهم كأقلية في أي بلد؟ هل يثق المسلمون في حجتهم وحقيقة ما يحملون ويستعد دعاتهم للمناظرة والجدل بالتي هي أحسن؟ هل يفهم مسلمو هذا العصر آية “وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” وكأنها “عِظْهم بالتي هي أحسن”؟ ما معنى الجدال إذا احتكرتَ الكلام وألزمتَ الآخر بالاستماع؟ وهل يؤمن مسلمو هذا العصر حقاً بأن الذي نزّل الذكر يحفظه، أم أن فتح باب الحريات الدينية سيأتي على أركان الإسلام فينهار الدين الحق؟

أفهم من حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” أنه لا يكتمل إيماني إلا إذا أحببت لأخي الإنسان ما أحبه لنفسي من الهداية بالقرآن، وهو ما قال به ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين حديثاً النووية مستشهداً بقول الإمام علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – “الناس صنفان؛ أخ لك في الدين ونظير لك في الخلق”. ولا أفهم لماذا يفسره بعضهم بالوصاية على خلق الله وتحديد ما يصلح لهم أن يسمعوه أو يناقشوه؟!

(4)

قال لي: “إذا علمت أن بائع حشيش يعرض على ابنك بضاعته هل ستتركه يجرب أو يناقش؟”. قالها بثقة مطلقة أني سأرتبك أو سأجاريه في هذا التشبيه الماركسي الكلاسيكي الذي لم يقصد به أن يعتبر الدعوة الدينية كالحشيش والأفيون. لكني أربكته قائلاً بأني لو منعت ابني بالقوة سأكون أباً فاشلاً وغير ديمقراطي.

أصر أن يستكمل الجدل من ذلك المنظور الضيق، فأجبته بأني سأكون حريصاً حين يرزقني الله الأولاد أن يكون ابني أجرأ من تجار المخدرات، وأن تكفيه ثقته في نفسه ليحاروهم ويدعوهم لما يراه خيراً وصواباً. لكني لم أتجاهل خطورة التساؤل بهذا المنطق الأبوي، الذي يستبطنه كل من الإسلاميين والقوميين في نظرتهم لدور الدولة الوصية على سلوكيات أبنائها ورعيتها، لا مواطنيها.

هنا، ننتقل من مناقشة موقف المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة من حرية الدعوة للعقائد الأخرى لندخل في صراع مع توقعات الأيديولوجيين من الدولة وفق تصوراتهم السلطوية. فالدولة في خيال الإسلاميين، والقوميين كذلك، دولة فضيلة، وأم يجب على الأبناء برّها وعدم إغضابها، فهي الأدرى بما يصلح شؤون البنين والبنات، الأحياء منهم والأموات. لذلك فهي تتحكم في الأفكار والمناهج التعليمية مركزياً، وتراقب المنشور في وسائل الاتصال الجماهيري قبل النشر وبعده. وهي بالتأكيد دولة محافظة تخشى على أولادها من عبور الطريق وحدهم، وتتخذ من الإجراءات والسياسات ما تضمن به نومهم مبكراً بعد تنظيف أسنانهم بالمسواك أو الفرشاة، كي يستيقظوا مبكراً ويشربوا كوب اللبن كاملاً.

تلك التصورات الرجعية عن دولة “نينا” تخفي في طياتها استعباطاً هائلاً يتجاهل طفرة الاتصال وتقنيات التواصل. في الأغلب، يعرف المدافعون عن هذه الأوهام عدداً لا بأس به من الملحدين ومن مدمني مشاهدة المواد الجنسية عبر شبكة المعلومات الدولية، ورغم ذلك يحاولون إقناعنا بما فشلوا في الاقتناع به بأن دولة “تيتا الحاجة” تستطيع تربية المجتمع. العبث كل العبث أن يردد هذا الكلام من يرد على لسانه كلمة “ثورة”.

(5)

مقالي الأسبوعي في موقع “مصر العربية” هو مقال رأي مدفوع الأجر، وأي وصف غير مهني ورد في هذا المقال فهو رأيي الشخصي الذي أشكر للموقع أن أتاح لي نشره. وللزملاء جميعاً كامل الاحترام.


في ذكرى التفويض: ماذا بقي من دولة ناصر سوى عامر؟

1 أغسطس, 2014
تصميم عدن الشهال الركابي - السفير العربي

تصميم عدن الشهال الركابي – السفير العربي

النص الأصلي لمقال إسماعيل الإسكندراني المنشور في عدد 30 يوليو/تموز 2014 من جريدة السفير العربي

النسخة الإلكترونية على الرابط:

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=2063&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

يحرص عبد الفتاح السيسي على الالتصاق بذكريات جمال عبد الناصر، محاولاً – في أكثر من مرة – أن يقدم نفسه كخليفة للزعيم العسكري قائد الانقلاب على الحكم الملكي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية. في العام الماضي، اختار ذكرى 23 يوليو / تموز كي يدعو جماهيره لما أسماه “تفويضاً وأمراً لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل”. وفي العام الجاري، لم ينس ذكر التفويض في خطابه بمناسبة الذكرى ذاتها، مع حرص على ربط 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 بذكرى 23 يوليو 1952، واعتبار الثلاثة كمحطات متتالية على الخط نفسه. لكن رطانة الخطاب الشعبوي، الركيك بلاغياً، والمليء بالأخطاء اللغوية، لا تجد أفعالاً وممارسات سياسية تدلل عليها، بل يتفوق السيسي على كل من السادات ومبارك في قوة الردة عن السياسات الناصرية في وقتٍ قياسي.

.

السيسي لا يمكن أن يكون جمال عبد الناصر جديداً، كما كتبت رباب المهدي، استاذة العلوم السياسية في القاهرة، والمناضلة اليسارية المعروفة. فبالإضافة إلى الأسباب الموضوعية المرتبطة باستحالة تكرار الظرف السياسي والاقتصادي المحلي، والإقليمي والعالمي، دعّمت المهدي وجهة نظرها بأسباب ذاتية متعلقة بفارق العمر والطموح والتكوين والتوجهات الاقتصادية. لكني أزيد على ما كتبتْ بزعمي أن أنسب شخصية يمكن أن يقارَن بها السيسي من مجلس قيادة ثورة يوليو هو عبد الحكيم عامر.

.

حصل عبد الحكيم عامر على رتبة المشير (فيلد مارشال) من دون خوض أية حروب ميدانية، وهو ما أثار تعليقاً فريداً من أحد الزائرين الأجانب واصفاً إياه بــ “المشير السياسي”، أي الذي استحق الرتبة لغرض سياسي غير عسكري. وهكذا قفز السيسي من رتبة لواء إلى رتبة مشير في أقل من عامين، حيث قام الرئيس المعزول محمد مرسي بترقيته ترقية مضاعفة إلى فريق ثم إلى فريق أول، وقام هو نفسه باستصدار ترقية من الرئيس المؤقت عدلي منصور فصار أول من يحصل على رتبة مشير بعد حرب أكتوبر / تشرين أول 1973 من دون خوض الحرب.

.

“عبد الفتاح عامر” والجيش

 

أنهك عبد الحكيم عامر الجيش مقصّراً في تدريبه وكفاءته. ويشهد محمد عبد الغني الجمسي في مذكراته المهمة عن حرب أكتوبر أن جمال عبد الناصر قبل أن يصعّد الموقف ضد إسرائيل في مطلع يونيو / حزيران 1967 بقرار إغلاق مضيق تيران – مدخل خليج العقبة ومنفذ إسرائيل الوحيد إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي – سأل عبد الحكيم عامر سائلاً إياه عن استعداد الجيش، فأجاب عامر بأن الجيش في قمة استعداده. وقعت الهزيمة النكراء التي أفضت إلى انكسارات كبيرة وعميقة في المنطقة العربية كلها، ورحل عامر عن عالمنا بطريقة اختلفت فيها الروايات، ونطق الصامتون بما سكتوا عنه طيلة عقد من الزمان منذ العدوان الثلاثي (حرب السويس 1956) فانكشفت كثير من مواطن الخلل.

.

ظاهرياً، يبدو جيش السيسي أكثر محافظةً وانضباطاً أخلاقياً من جيش عامر، فلا حديث الآن عن اتباع الوسائل القديمة في الإخضاع والسيطرة بالفضائح الجنسية وما شابه. لكن عمق الأزمة واحد، فالجيش منشغل بإدارة مصالحه الاقتصادية عن تدريب جنوده ورفع كفاءتهم ومستوى جهوزيتهم. وإن كان من المقبول والمعقول أن يكون للجيش خطوط إنتاج وتصنيع وإدارات هندسية وإنشائية ذات أنشطة مدنية لتحقيق أهداف تدريبية واقتصادية مفهومة، إلا أن ابتذال الجيش وأسماء أسلحته وإداراته في أنشطة استهلاكية وخدمية غير لائقة ينذر بحجم الخلل الذي يكابر قادة الجيش، وعلى رأسهم السيسي، أن يعترفوا به. بلغ الأمر نشر إعلان في أحد أهم شوارع القاهرة الرئيسية عن بيع كعك العيد في “دار الأسلحة والذخيرة”، فضلاً عن منفذ بيع منتجات الجيش الثاني الميداني في مدخل مدينة الإسماعيلية حيث تعرِض الرفوف زيوت الطبخ والصلصلة والصابون أمام ضابط برتبة رائد يجلس في المنفذ مشرفاً على البيع والشراء. وبعد أن انتشرت دور المناسبات وإقامة الأفراح التابعة للجيش، بلغت السريالية مداها بافتتاح “كوافير” للنساء تابع للقوات المسلحة المصرية…

.

ورث السيسي الجيش وأنشطته الاقتصادية الاستهلاكية والخدمية عن سلفه محمد حسين طنطاوي، أطول مصري تقلد منصب وزير الدفاع في تاريخ مصر. في عهد طنطاوي، يحكي كبار ضباط الجيش المتقاعدين أن التحول في العقيدة العسكرية تحت قيادته اقتصر على النص التالي “مهمة الجيش هي حماية الشرعية الدستورية”. ومع تعاظم دور الشرطة ومباحث أمن الدولة، كان الجيش بعيداً بشكل كبير عن الاحتكاك المباشر بالمدنيين إلا من خلال تلك الأنشطة الاقتصادية التي لم تكن على درجة الإزعاج نفسها التي سببتها سياسات الخصخصة والنيوليبرالية. لكن عهد السيسي يشهد تحويل مهمة الجيش إلى مكافحة الإرهاب وحفظ الأمن الداخلي، وقد دفعت سياساته القمعية العنيفة إلى تصدير عمليات “أنصار بيت المقدس” من شمال سيناء إلى عموم شبه الجزيرة ثم إلى خط القناة والدلتا، بل إلى قلب العاصمة وأمام مديرية الأمن بها. تحولت “أنصار بيت المقدس” من استهداف المصالح والقوات الإسرائيلية إلى الاشتباك مع القوات النظامية المصرية ثم إلى عدم الاكتراث لوجود مدنيين في محيط عملياتها ضد الجيش والشرطة، ونشأت في الجيزة جماعة جديدة تدعى “أجناد مصر” تقصر عملياتها على الشرطة – حتى الآن – فضلاً عن وقوع الاعتداء على نقطة حرس الحدود بالقرب من واحة الفرافرة في الصحراء الغربية، الذي أسفر عن مقتل 23 جندياً وضابطاً.

.

تورط جيش السيسي – ولا يزال – في انتهاكات موسعة وجرائم ضد المدنيين في سيناء، وظهر واضحاً من خلال توثيقي الميداني لكثير من هذه الوقائع أن تعامل القيادات مع الخلل لا يتجه إلى رفع كفاءة الجنود وتحسين تدريبهم، بل إلى تحصينهم من المساءلة والجزاء. ولنا أن نتخيل مجنداً قضى الفترة الأولى من تجنيده الإجباري يؤجّر طاولات تنس الطاولة والبلياردو في مركز ترفيهي تابع للجيش أو يخدم في فندق أو قرية سياحية، ثم يتم نقله – لأي سبب – فجأة إلى الميدان دون تدريب أو تسليح كافٍ. لذلك، يثار السؤال عن معنى قضاء خدمة عسكرية جبرية في أعمال تدر دخلاً كبيراً مقنناً لضباط الجيش من دون مقابل مجزٍ، وهو ما يشبه السخرة والعمالة المجانية، من دون أن يحصل هؤلاء الشباب المرتهب مستقبلهم بشهادة أداء الخدمة العسكرية على تدريب كفء يحميهم من الاستهداف طالما رآهم الجهاديون الآن كفّاراً من جنود الطاغوت!

.

 

الحرب على الفقراء، والمنّ الكاذب على فلسطين

 

إنهاك الجيش وتراجع كفاءته بما ينذر بالكارثة ليس الأزمة الوحيدة، فالعسكريون يتوغلون في الحياة المدنية ويستحوذون على المناصب التنفيذية والاستشارية بشكل منقطع النظير. والشركات التابعة للجيش تسند إليها المشروعات بالأمر المباشر من دون مناقصات أو منافسة، وهي مدعومة من ميزانية الدولة ومعفاة من الضرائب في الوقت ذاته، وهو معنى القول الشائع عن الجيش إنه “دولة فوق الدولة”. والواقع يشهد بأن العسكريين في مصر يرون أنفسهم طبقة أعلى وأرقى من سائر المدنيين، بل يتناقل ذوو الخبرة مع الوسط العسكري اعتبارهم كلمة “مدني” إهانة وسبّة.

.

على الرغم من كل الانتقادات التي يمكن أن توجه للفترة الناصرية، بما في ذلك الاستعلاء المعرفي على غير العسكريين، إلا أن سياسات ناصر كانت تهدف إلى توسيع قاعدة التأييد الشعبي بعدد من الإصلاحات الزراعية وتدشين المشروعات الكبرى من أجل التشغيل المكفول اجتماعياً وصحياً. أما التوجه العروبي لعبد الناصر، الذي شارك بنفسه في حرب 1948، فقد كفل لللاجئين الفلسطيينيين مساواة كاملة مع المواطنين المصريين، بل زاد عنها في بعض الأحيان تمييزاً إيجابياً لهم في إعانات الطلبة وتدريب الطلاب الفلسطينيين في سيناء على الرماية والقتال دون المصريين.

.

بدأ السيسي انقلابه بتوظيف ذكرى 23 يوليو / تموز في الدعوة إلى ما أسماه التفويض، واستمال أسرة جمال عبد الناصر حتى انتزع منهم تأييداً صريحاً لترشحه، ونافس محلله الانتخابي حمدين صباحي على استحقاق أيهما وراثة عبد الناصر حتى تخلى المخرج خالد يوسف عن رفيقه وأيد السيسي. وحين أتى موعد التنصيب، وجدت أسرة عبد الناصر مقاعدها في الصفوف المتأخرة، واحتلت أسرة السادات الصفوف الأولى. أما توجهه نحو النيوليبرالية الاقتصادية، فقد نجح فيما لم ينجح فيه أي من السادات ومبارك وتجرأ على رفع الدعم جزئياً عن الوقود ورغيف الخبز والكهرباء والغاز الطبيعي في المنازل. وعن موقفه من القضية الفلسطينية، فقد بدأ من حيث انتهى مبارك وزاد عنه منّا كاذباً على فلسطين بأن مصر قد قدمت مائة ألف شهيد للقضية الفلسطينية، وكأن مدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل ومدينة السويس وشبه جزيرة سيناء بالكامل تقع بين الجليل والخليل، أو بين الرملة ورام الله. وبغض النظر عن حديثه عن “القدس الشرقية” كعاصمة لفلسطين، فإن أقصى درجات العبث لا يمكن أن تتخيل كيف تجرأ على تحميل الفلسطينيين مسؤولية اقتصاد مصر المنهار منذ ستين سنة! هكذا قالها صريحة في الذكرى الأولى للتفويض والذكرى الثانية والستين لما أسماها “ثورة يوليو المجيدة”، فأي مجد تليد ورث؟ وأي مجد أضاع؟!


«الاسترهاب» وحواضنه الاجتماعية

10 فبراير, 2014

نص مقال إسماعيل الإسكندراني المنشور في ملحق السفير العربي يوم الخميس 6 فبراير / شباط 2014، وعلى موقع الملحق على الرابط:

http://goo.gl/jejOkb

لا يوجد دليل يدعم الاتهامات التي تزعم بأن الإخوان يقتلون شبابهم للمتاجرة بدمائهم، كما لا يوجد دليل على استدعاء السلطات للسيناريو الجزائري، وعلى الزعم بأن القوات النظامية تقتل رجالها من أجل ادّعاء إرهاب وهمي. بالمقابل، فمن الواضح أن السلطة تقتل معارضيها بعنف مفرط، وأن هناك جماعات تمارس التمرد المسلح ضد القوات النظامية والإرهاب ضد المدنيين. فالحديث هنا ليس عن تلفيق الإرهاب أو صناعته، بل عن الاحتياج إليه، ليس على مستوى السلطة فحسب، بل وسط القواعد الداعمة لقمعها والمرحبة بعنف الدولة.
.

ما الاسترهاب؟

.
دعوة وزير الدفاع المصري، الجنرال عبد الفتاح السيسي، التي وجهها للجماهير للاحتشاد من أجل تفويضه لمواجهة العنف و«الإرهاب المحتمل» في 24 يوليو/تموز الماضي، كانت أوضح وأكثر صراحة مما ظنه المحللون الذين اشتبكوا مع نقد فكرة التفويض ونقضها، من دون التوقف أمام الصيغة المطلوبة، وهي إذ تفترض مسبقاً وقوع الإرهاب تقوم فعلياً بالتمهيد لطلبه واستدعائه. ففي ذلك الوقت، لم تكن قد ظهرت بعد الحوادث الإرهابية ضد المدنيين، أو تلك غير المكترثة بوجود المدنيين في ميدان الاشتباك مع القوات النظامية. تعالت الأصوات المحذرة من «صناعة الإرهاب» بالقمع المفرط والمذابح المتتالية في كل من «دار الحرس الجمهوري»، و«النصب التذكاري»، وفض اعتصامي ميدانَي «رابعة» و«النهضة». لكن الشهور المتعاقبة بدأت تكشف عن وجود ما يمكن تسميته بـ«الاسترهاب»، ليس على مستوى السلطة فحسب، وإنما على المستوى الشعبي أيضاً. و«الاسترهاب» هو الحفاوة بظهور الإرهاب بكل أنواعه، الكامن والمستتر والمؤجل، لرغبة حقيقية في توظيفه سياسياً وأمنياً.

.

وأما «صناعة الإرهاب» فلا تُفهم إلا على ضوء السياسات القمعية التي تساعد على دفع المتشددين فكرياً وسياسياً إلى خيار العنف المدعوم بأفكار أكثر فأكثر تطرفاً، حيث تبرر لهم تلك السياسات جنوحهم إلى العنف. ويمكن أن يكون اختلاق الحوادث الإرهابية جزءاً من هذه الصناعة، سواء بتلفيق نسبتها إلى تنظيمات موجودة أو وهمية، أم باختراق بعض التنظيمات لتوريطها في أعمال إرهابية تسوّغ السياسات القمعية وخطاب السلطة العنيف، الذي لن يقف في جنوحه القمعي عند حدود التنظيمات الإرهابية وحدها بكل تأكيد.وراء «الاسترهاب» إرادة جماهيرية وليست فقط سلطوية، بدلالة ثلاث قرائن، هي تباعاً: الحاضنة الجيلية لخطاب الحرب على الإرهاب، وأزمة خطاب الإسلاميين السياسيين، والتحفيز الإعلامي الدعائي كحلقة وصل بين السلطة والجماهير.

.

الحاضنة الجيلية للسلطوية

.
أحد أهم الاختلافات بين تنظيم «القاعدة» وتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» هو اهتمام الأول بوجود حاضنة اجتماعية لمن يسموهم «مجاهدين»، في حين أن المكوّن القطبي في تنظيم «الدولة» يحمل أعضاءه على «التعالي بالإيمان» والقطيعة مع «المجتمع الجاهلي».وللتوضيح وإن بمثال ينتمي إلى سياق مغاير، يمكن أن تُفهم الدعاية الجماهيرية الميدانية الكثيفة، أحادية الاتجاه، الدافعة إلى التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، كنوع من التسابق المحلي بين أصحاب المطامع في الانتخابات البرلمانية المقبلة. لكن مثل هذا التفسير البرغماتي للإنفاق المالي/السياسي لا يصمد أمام حالة الهيستيريا الانفعالية الواسعة التي رافقت عملية التصويت.

.
فقد يتم استئجار بعض الحشود من قبل السلطة لافتعال تأييد غير حقيقي، لكن لا يمكن التعامي عن المشهد الكرنفالي الذي اقترن فيه التأييد بمعارضة الإخوان و«الإرهاب»، والهتاف بشعارات وطنية تُعلي «مصر فوق الجميع»، وترديد الأغاني الوطنية القُطْرية، مع جرعة مكثفة من الأوبريت الشعبوي «تسلم الأيادي».وقد ظهرت الانحيازات الجيلية بوضوح في الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي أجري في مطلع العام الجاري. تعززت هذه الانحيازات بتعليقات المقترعين، ذوي الأغلبية العمرية المتقدمة في السن، كما أظهرتها التسجيلات المصورة التي تداولتها شبكات التواصل الاجتماعي، وبعضها تم بثه على الهواء في القنوات الفضائية. بعضهم تلفظ بعبارات عدائية ضد جيل الشباب وخياراتهم في الحريات والحقوق والديموقراطية، وكثيرات منهن رقصن على بوابات لجان الاقتراع، مع حرص عام على التقاط الصور الفوتوغرافية مع ذوي الزي الرسمي من القوات النظامية التي تؤمّن اللجان.

.
يبدو المشهد العام، كما عبرت عنه ذروته في يومَيْ الاستفتاء، تحت هيمنة جيلين، هما جيل «الكبار» الذين تشبعوا بخطاب نظام مبارك المعادي للإرهاب والإسلاميين عموماً، وهو الخطاب الذي وصل إلى ذروته في التسعينيات، والجيل «الأكبر»، الذي تشكل وعيه في زمن الدعاية الناصرية القومية، حيث تماهى الشعب مع حكم الجيش.

.

أزمة خطاب سلطة الإسلاميين
.

ظهر الخوف بادياً على أحد متابعي نقل فاعليات مؤتمر نصرة الثورة السورية الذي عقده الرئيس المعزول محمد مرسي في إستاد القاهرة قبيل 30 يونيو، وتساءل في هلع «كيف ينشدون كلهم أغاني لا يعرفها منا أحد؟». لم تكن الأغاني فحسب، مثل «لبيك إسلام البطولة» ذات الكلمات الدموية، هي التي أظهرت الإسلاميين كطائفة متمايزة عن سائر الشعب، أتت بها الصناديق لحكمه، بل أيضاً كان الخطاب الرطين للرئيس المعزول «بحقه الأبلج وباطله اللجلج»، من معزّزات الانفصال الخطابي والنفسي بين «الطائفة» والشعب.بالمقابل، نجح الجيش في استخدام خطاب قريب من الجماهير، بل أظهرت التسجيلات المسربة لاجتماع وزير الدفاع مع بعض القادة العسكريين في نهاية 2012 أنه حريص على الإبقاء على المتحدث العسكري، العقيد أحمد محمد علي، لكونه ذا شعبية وسط النساء. ويبدو أن هذه الإستراتيجية في الاستهداف النوعي لجمهور مؤيدي الجيش من ربات المنازل والأمهات، قد أتت بثمارها الواضحة في المغازلات الجنسية العلنية في الصحافة والتلفزيون، وبلغت ذروتها في يوميْ الاستفتاء، حيث كانت المشاركة النسائية عالية جداً وتضمن التعبير عن الاستجابة لما يريده السيسي… كشخص.لم تتوقف استجابة الجمهور النوعي للجيش ـ كبار السن والنساء ـ عند حد التأييد السياسي والأمني، بل بلغ التطرف بإحدى الأمهات أن قامت بالإبلاغ عن ابنها كعضو بحركة «6 أبريل»، وقامت بطرد المحامين الذين أتوا للدفاع عنه، وعززت ادّعاءها بأدلة قامت بتسليمها لإدانة ولدها.

.

على الرغم من كونه تطرفاً غير متكرر كثيراً، إلا أن خطاب هذه الأم في قاعات قسم الشرطة، وفق ما نقله الشهود، شائع جداً في منازل الكثير من الشباب الثوري المتناحر عائلياً مع الأهل الذين يتهمونه بالعمالة والخيانة، أو على الأقل بالرعونة وقلة الخبرة.نجح الخطاب «الوطني» (شبه الفاشي) في إيقاظ خطاب شعبوي سلطوي «يحتفي» بالحوادث الإرهابية، سواء كانت حقيقية أم مفتعلة، من أجل تدعيم موقفه المستند إلى استدعاء الدولة القديمة لدحر التغيير. تعْلم الجماهير أن الجماعة الفاشلة سياسياً التي أُسقطت من السلطة ثم تعرضت لأكبر مذبحة سياسية في تاريخ مصر المعاصر، لم يَثبُت قضائياً تورطها فيما يمكن أن تُصنَّف على أساسه بأنها إرهابية. لكن نشوة الوصم دفعت الجمهور إلى التغاضي عن عدم إعلان الحكومة «أنصار بيت المقدس» تنظيماً إرهابياً، بل تكتفي السلطة بترديد الاتهام له بأنه «موال لجماعة الإخوان الإرهابية»، رغم أنه هو الذي أعلن مسؤوليته عن تفجير مديريات أمن جنوب سيناء والدقهلية والقاهرة وليس الإخوان. ويقع هذا ضمن إجراءات التواطؤ العلني على التصنيف الاختزالي للأفراد والمجموعات: إما وطنية صالحة مؤيدة للجيش وموافقة على التعديلات الدستورية، وإما عدوة للوطن وخائنة للجيش الوطني وعميلة للأعداء ورافضة للتعديلات الدستورية أو مقاطعة للاستفتاء.

.

الدعاية الإعلامية كحلقة وصل
.

يؤكد العاملون في القنوات الفضائية المصرية وجود ممثل من قسم الاتصال بالمخابرات العسكرية أو جهاز الشؤون المعنوية للقوات المسلحة في استوديوهات القنوات كافة. فلا عجب إذن أن تتطابق الرسالة الدعائية المبثوثة عبر وسائل الاتصال الجماهيري مع ما يردده الجمهور النوعي للجيش، كبار السن والنساء. لكن افتراض أن المحتوى الدعائي بأكمله معد سلفاً فيه اختزال كبير لقدرات الإعلاميين التطوعية والإبداعية على توليد خطاب استرهابي يسوّغ القمع ومصادرة الحريات.فعقب تفجير مديرية أمن الدقهلية، وقبل إعلان الإخوان تنظيماً إرهابياً، جرى عبر شبكات التواصل الاجتماعي تداول تسجيل لجزء من إحدى حلقات برنامج «القاهرة اليوم»، ظهر فيه المذيع عمرو أديب محذراً من تفجير إرهابي كبير مرتقب، وبدا في الخلفية أن الكلام يتم تلقينه إياه من غرفة التحكم. المقارنة مثيرة بين هذا التسجيل وتسجيل آخر لزوجة أديب، المذيعة لميس الحديدي، التي أعلنت عن حريق المجمع العلمي خلال تظاهرات مجلس الوزراء عام 2011، قبل أن يتم حرقه فعلياً.

.
يقول المشككون إن هذه الفوضى صنيعة الأجهزة الاستخبارية التي تخترق حراك الشارع. لكن هذا قد ينطبق على أحداث 2011 و2012، وليس على فترة ما بعد 3 تموز/ يوليو، حيث الرغبة السياسية العارمة للسلطة تتمثل في فرض النظام والسطوة الأمنية لطمأنة المؤيدين في الخارج والداخل. سابقة لميس الحديدي، وسابقة أخرى للمذيع خيري رمضان، توحيان بالصناعة الاستخبارية لحوادث بعينها. لكن تضافر الأدلة اليقينية على وجود تنظيمات إرهابية، استطاع أحدها أن يسقط مروحية عسكرية لأول مرة في تاريخ الجيش المصري في صراعه مع قوات غير نظامية، ترجح أن توقعات عمرو أديب «الاسترهابية» لم تكن سوى مصادفة من خياله وخيال فريق برنامجه، ولدتها كثافة الشحن في هذا الاتجاه، فوافقت «صناعة» هذه التنظيمات، أو طابقتها وانسجمت معها.أما التنظيم السلفي الجهادي، «أنصار بيت المقدس»، الذي لم يستهدف بداية أي طرف مصري، وذلك منذ بدء نشاطه شبه المعلن في 2011، فهو خرج عن خطه الإستراتيجي المقاوم للاحتلال الإسرائيلي ومصالحه في سيناء (مثل تفجير أنابيب تصدير الغاز الطبيعي) وبدأ في الاشتباك مع القوات النظامية المصرية كتنظيم متمرد على السلطة، ثم لم يلبث أن تورط في إرهاب المدنيين واستهداف بعضهم أو تحميلهم مسؤولية التواجد في محيط المقار الأمنية والعسكرية. وهذا كله يعني أن ممارسة هذه الجماعة للإرهاب لم يتم اختلاقها استخبارياً، بل تمت صناعتها سياسياً في سياق «استرهابي» أوسع، لم يكن واضحاً بالضبط ما سيترتب عليه. لكن الاحتفاء بالإرهاب كان مستبطناً وكامناً كي يتم استثماره بعد وقوعه.

.
ويبدو أن مصر لا تزال في بداية المنحدر، الذي سيسرّع من الانزلاق فيه ترشّح وزير الدفاع بدعم رسمي من الجيش. فالمسؤول الأول عن الفترة السابقة بكل ما فيها، حين يترقى عسكرياً وسياسياً، فإن ذلك لا يعني للجماعات المسلحة سوى التصعيد، ولا يعني للمجتمع سوى مزيد من الإرهاب.


خرتيت أسطوري في المدينة

30 يناير, 2014

ثورة الفلاحين؟

مقال في الاجتماع الحضري السياسي منشور على موقع “قُــلْ” بتاريخ 13 يناير 2014 رداً على مقال سابق على الموقع ذاته بعنوان “فيل ضخم في الغرفة”

كتب: إسماعيل الإسكندراني*

تمايز الريف المصري عن المدن الكبرى في طبيعة المساحات التي اعتبرت مجالاً عاماً يجتمع فيه الناس للمشاركة في الشؤون العامة المحلية والوطنية. لم يعرف الريف، عدا القرى النوبية، الصالونات الثقافية أو المنتديات الفكرية في أماكن ذات ملكية عامة أو استخدام جماهيري، لكن قام “الدوّار” و”المندرة” و”الزوايا الصوفية” بأدوار مشابهة تقريباً وإن اتسمت بالخصوصية المحلية في اختيار الموضوعات وطرق تناولها، مع تبعيتها لأفراد أو عائلات أو وجهاء قبائل أو مشايخ. وبالتزامن مع التضييق السياسي على المجال العام في الريف، وبالأخص في دور العبادة، التي تعد من أهم الملتقيات العمومية، ضاق الفضاء العمراني بالزحف الأسمنتي على كل من الأراضي الزراعية والبور، ما أحكم الحصار الفراغي على المجتمعات الريفية في مصر.

على مستوى الوحدة الواحدة، طرأت تحولات كثيرة على الأنماط المعمارية في منازل العائلات الممتدة في الريف المصري. لعل أهمها هو التحول من التوسع الأفقي في الغرف المتجاورة، التي كانت تقطنها الأسر الشقيقة داخل البيت الواحد الفسيح، إلى التوسع الرأسي بالبناء الخرساني، حيث استقلت كل أسرة في شقة أو طابق، دون أن ينفرط عقد العائلة الممتدة خارج المنزل الكبير. فهل كان للاستقلال النسبي والخصوصية العالية نسبياً التي حققتها هذه النقلة المعمارية أثر في استقلال الإرادة السياسية للأفراد عن كبير/ة العائلة؟ هل أسهمت التغيرات المعمارية، وما رافقها من طفرة في استخدام تقنيات الاتصال الحديثة، في تغيير أنماط المشاركة السياسية؟

 

“فيل ضخم في الغرفة”

الأفكار والتساؤلات المطروحة في الفقرتين السابقتين كان من المتوقع أن يجد القاريء اشتباكاً معها أو معالجة لبعضها في مقالٍ كتبه “معماري” للمقارنة بين الريف والحضر لتحليل المفارقة بين مشاركتهما وخياراتهما السياسية. لكن المقال الذي نشر على موقع “قُلْ” بعنوان “فيل ضخم في الغرفةخيب التوقعات كلها، ولم يحوِ سوى نص ركيك –في رأيي- للتفاضل الجهوي المفرط في التعالي الحضري على الريف. فعوضاً عن أن يحدثنا كاتبه المعماري عن اختلاف أنماط الضبط الاجتماعي controlوالمراقبة السياسية surveillanceبين الريف والحضر من منظور عمراني وتخطيطي، راح يضع الوسوم على الحضر والريف، باعتبار الأول حاملاً شعلة المشروع الوطني التحديثي، والثاني وكراً للإسلاموية المقترنة بالرجعية، لا مجرد المحافظة.

إن اختزال مشهد 30 يونيو تحديداً بأنه ثورة مدينية على التيار الإسلاموي الريفي، أو المتريّف، فيه من المغالطات والقصور ومحدودية أفق التحليل ما يكفي للرد عليه في عدة مقالات. لكن النقطة المرجعية التي سأنطلق منها لمقارنة المشاركة والاختيار السياسي بين الريف والحضر هي (25 يناير – 11 فبراير)، أو الثمانية عشر يوماً المؤسِّسة للقطيعة مع عصر مبارك.

أغفل المقال المذكور، عن جهل أو تجاهل، دور الريف المصري في ثورة 1919 مصرّاً على تأصيل المفاضلة الجهوية تاريخياً، لكنه محق بنسبة كبيرة في تمحوره حول مدينية ثورة يناير. الراجح أن الريف لم يثر على نظام مبارك لطبيعة العلاقة الزبائنية بين شبكات فساد الحزب الوطني وبين ذوي النفوذ في المجتمعات الريفية المحلية، حيث استفادت السلطة من النظام الأبوي السائد في الريف، فاعتمدت على عدد محدود نسبياً من ذوي التأثير النافذ هيراركياً لممارسة الضبط وتحجيم المشاركة الثورية في الثمانية عشر يوماً الأولى. الإشكالية التي يقع فيها المقال المشار إليه هي موقف كاتبه من ثورة يناير ابتداءً؛ هل كانت ثورة استفاد منها الإسلاميون الريفيون – على حد وصف المقال – أم كانت ثورة مدينية معادية للإسلاميين؟ أم أنها لم تكن ثورة من الأساس وكانت مجرد “أحداث”؟!

 

من الذي ثار في المدن؟

المغالطة الثانية هي إصرار المقال على صهر التنوع الذي شهده الحدث الثوري في القالب الحضري، مغفلاً أو متغافلاً عن نزوح كثير من الثوار من محافظاتهم الريفية للمشاركة في قلب الحدث الثوري. الحقيقة أن كثيراً من الصحفيين والباحثين والكتّاب لم يتحرروا من أسر المركزية المتطرفة التي اختزلت الثورة في ميدان التحرير ولم تر خارجه سوى الإسكندرية والسويس، على أحسن تقدير. صنع الإعلام هذا الوعي المركزي المبتسر، ولعله كان معذوراً جزئياً لأسباب أمنية ومالية في حينها، لكني لا أجد عذراً لمن يتجرأ على تحليل المشاركة الثورية على المستوى الوطني دون أن يخرج عن دائرة التركيز التقليدية. هذه المركزية المفرطة، المرتبطة حتماً بمركزية صنع القرار السياسي في العاصمة، حملت كثيراً من ثوار الإسكندرية على مفارقة حراكنا اليومي في الموجة الثورية الأولى والانضمام إلى ميدان التحرير ذي التأثير المباشر على النظام المركزي، وذلك على الرغم من كون الإسكندرية العاصمة الثانية الحاضنة لمقر قيادة المنطقة الشمالية العسكرية ومقر قيادة القوات البحرية، وكونها ذات تغطية إعلامية عالمية جيدة. فأين ينبغي لابن ريف الدلتا أو الصعيد أن يشارك إذا أراد لصوته أن يكون مسموعاً ومؤثراً؟!

هل يجرؤ أحد أن يزعم أن ميدان التحرير لم يضم سوى ثوار الحضر؟ أم أننا سنعود لنسأل كاتب المقال المذكور عن موقفه من 25 يناير، كانت ثورة أم أحداثاً؟

دفاعاً عن حراك سكان جزيرة الزمالك ضد موقع إنشاء محطة مترو الأنفاق، يطالب بعض النشطاء والكتّاب ألا يُعاقب أهل الزمالك معنوياً بسبب انحياز السلطة وانتقائها لمن تستجيب لضغطهم، فهم ليسوا مسؤولين عن معاداة السلطة للفقراء. التناقض هنا أن نؤيد هذه الحجة ونستبيح معاقبة أهل الريف عموماً، وأهل الجنوب خصوصاً، على وضعهم خارج دائرة التأثير على مجريات الأمور بسبب سياسات المركزية المفرطة وتهميش الريف والجنوب التي انتهجتها ورسختها دولة عسكر يوليو. التجبر والصلف هو تذكية انسحابهم وإحساسهم بالدونية المواطنية بالخطاب المتعالي عليهم، الناكر لهوياتهم الريفية الفرعية إذا انضموا إلى الحراك في قلب المشهد الثوري الوطني المركزي.

قاوم الصعايدة هذا التهميش الثوري المتعمد، عن وعي أو بلا وعي، ودشنوا صفحة على موقع “فيسبوك” بعنوان “الصعيد .. ثورة على الهامش“. أملوا من خلالها أن يوثقوا مشاركتهم في الموجة الثورية الأولى في عدة مدن جنوبية؛ منها أسوان والأقصر ونجع حمادي وسوهاج وجرجا وأسيوط والمنيا. وكتبتُ مقالاً تحليلياً في محاولة منحازة لإنصاف الجنوب بعنوان “الثأر والثورة: لماذا يثور الشمال ولا يفعلها الجنوب؟“، عالجت فيه أيضاً العوار الشديد في ثنائية الريف-الحضر التي تغفل تماماً أن في مصر مساحة اجتماعية أخرى مهمة اسمها “البادية”. فقد كانت الثورة في المدن كلها سلمية، بما في ذلك مدينة العريش عاصمة شمال سيناء، في حين ثارت المنطقة الحدودية البدوية في مدينتي “الشيخ زويد” و”رفح” بالكلاشينكوف ومضادات الدبابات ومضادات الطائرات، وذلك لأسباب ثأرية وانتقامية ضد جهاز الشرطة ذي السجل الإجرامي الحافل.

التسامح مع التعصب الحضري ضد الريف يفتح الباب إلى زحف المفاضلة الجهوية بمنحى طبقي/ثقافي فرعي داخل المدن، بين أحياء المدينة الواحدة، انطلاقاً من واقع الهجرة الريفية الداخلية إلى تخوم الحضر. هنا، يمتد التحليل في المقال المشار إليه ليلتقي مع الكتابات السياسية والأمنية التي تعتبر العشوائيات وأحياء الحضر المتريّف مستنقعاً للتطرف والجريمة والجهل والمرض والفقر. مرة أخرى، يقودنا التعالي الحضري على الريف إلى المعاقبة المعنوية والأدبية لضحايا سوء التخطيط الحكومي تنموياً وعمرانياً.

أتخيل المقال التالي للكاتب نفسه يفاضل بين أحياء القاهرة الكبرى، فينسخ الوسوم والوصمات التي أطلقها على الريف ليعيد توزيعها على إمبابة والعمرانية ودار السلام والمطرية وعين شمس، وذلك في مقابل الثناء على المعادي والزمالك والمهندسين والدقي. ولن يخذله الأرشيف الأمني والسياسي في التدليل على هذا التصنيف بشواهد من تاريخ الاعتداءات الطائفية والمؤشرات الانتخابية للميول السياسية في المناطق المذكورة وغيرها. وبكل وضوح، فإني أعلن انحيازي لثورية “ناهيا” في 25 يناير 2011 ضد فلولية “مصر الجديدة”، التي عاشت مأتماً كئيباً يوم 11 فبراير، مخالفةً بذلك المزاج العام لربوع مصر المحتفلة بخلع مبارك.

 

مشاركة الريف في 30 يونيو

انطلاقي من مرجعية 25 يناير هو وضع للأمور في نصابها الصحيح وتأكيد للمرجعية الثورية غير الأيديولوجية ضد القمع والظلم والمهانة وسياسات الإفقار والتجويع، أي الثورة من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، وليس من أجل مطالب إسلاموية أو مناهضة للإسلامويين. ذلك لا يعني التهرب من تفنيد مزاعم المقال المشار إليه حول 30 يونيو.

افترض المقال واهماً أن حراك 30 يونيو كان ثورة مدينية ضد “فِلْح” الإخوان وتحالف سلطتهم، لكن كاتبه لم يعبأ بالسؤال أو البحث عن حجم مشاركة الريف في ذلك اليوم. ولعله سيفاجأ حين يعرف أن المحافظات الريفية قد شهدت حراكاً غير مسبوق منذ ثورة 1919، حيث تحركت الحشود من القرى والنجوع والكفور إلى المدن الكبيرة وعواصم المحافظات للمشاركة في الانتفاضة ضد حكم الإخوان وأزمتي الوقود والكهرباء. فإذا كان الكاتب يقر بالتقديرات المليونية في هذا اليوم، فهل يظن حقاً أنها ملايين حضرية غير ريفية؟!

الصدمة الثانية الذي يتلقاها التحليل البرجوازي وريث النظرة الاستعمارية في المقال المشار إليه هي مشاركة الطرق الصوفية في حشد سكان الريف، وهي الجماعات المرتبطة بشدة بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية. فإذا كانت 30 يونيو “ثورة” إيجابية ضد الإخوان وحلفائهم المتشدين، فهل سيرضى عن الريف والطرق الصوفية “السمحة” التي عاونت القوى الليبرالية وحلفاءها من أجنحة السلطة والأجهزة الأمنية في التخلص من الكابوس الإسلاموي؟ وإذا علم أن نفوذ الطرق الصوفية الداعم للدولة القديمة في ريف الصعيد والدلتا أكبر من تأثير الإسلامويين المتحالفين مع الإخوان، فهل سيراجع الأوصاف التي أطلقها على الريف، الذي لا يدرك حجم مشاركته في 30 يونيو؟ وما موقفه من حقيقة التقدم الكاسح لأحمد شفيق في محافظات الدلتا الريفية في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بما في ذلك “الدقهلية” العاصمة التمويلية للإخوان، هل خضع ريف الدلتا حقاً لنفوذ الإسلامويين الرجعيين؟

إن الجزم بأن حقيقة الصراع ما هي إلا أزمة ريفية حضرية يعد تعسفاً مبالغاً فيه وتسطيحاً لصراع مركب بالغ التعقيد سوسيولوجياً، خاصة إذا تم الخلط بين مؤشرات النتائج الانتخابية بين الريف والحضر في الغرب وبين الواقع في مصر. المزعج جداً في المقال المذكور أن يتم وضع الريف المصري في جملة واحدة مع الريف السوري في مقابل الحضر المصري، الذي يربط الكاتب بينه وبين سيطرة نفوذ النظام السوري الطائفي المجرم على بعض المدن.

المقال المشار إليه لم يكتف بالاختزال المحلي، بل قدّم محاولة لا بأس بها لـ “عولمة التسطيح”، حيث اعتبر ثنائية الريف-الحضر حقيقة عالمية تحمل الدلالات نفسها في سياق متجاوز الخصوصيات كافّة، مع جرعة مكثفة من السطحية والتعالي والوصم الفكري والاجتماعي. اختار الكاتب استعارة وجود فيل ضخم في الغرفة يتعامى عنه الجميع، لكن الأرجح هو وجود خرتيت أسطوري الحجم في أوهام الكاتب يجب إخراجه بعدد كبير من الزيارات الميدانية والمقابلات البحثية والقراءات المتعمقة قبل التنظير للتعصب الجهوي ضد “الفلاحين”.

———-

* باحث في علم الاجتماع السياسي. يعرف نفسه في هذا المقال بأنه “سكندري المولد والنشأة، قاهري الإقامة، سيناوي التخصص، منحاز لجنوب مصر”


عن مترو الزمالك .. عن كفر عبده والزعربانة

29 يناير, 2014
من صفحة الزمالك تنتفض على موقع فيسبوك

من صفحة الزمالك تنتفض على موقع فيسبوك

مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ 7 يناير 2014 على الرابط

http://goo.gl/46zEXV

كتب: إسماعيل الإسكندراني

 

بعيداً عن اختزال مشهد “انتفاضة الزمالك” ضد موقع إنشاء محطة مترو أنفاق بجزيرة النخبة في صراع بين السلطة وبين سكان لهم مطالب، تم تحويله إلى حرب دعائية سوداء عبر وسائل الإعلام الجماهيري، فإن الصراع حول محطة مترو الزمالك كاشف لكثير من المواقف المركبة التي تمخض عنها المشهد الاجتماعي السياسي عقب يناير 2011.

 

بدأ الاعتراض على الموقع الذي اختارته الهيئة الحكومية لإنشاء محطة على الخط الثالث داخل المربع السكني (شارع إسماعيل محمد)، وثار الأمر في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بأن طبقة الهوانم والباشوات ترفض وسيلة المواصلات التي ستحول جزيرتهم إلى مرتع للغلابة.

 

ليس جديداً على السلطة في مصر أن تشتبك معنوياً مع خصومها عبر دعاية غير صادقة تفتح باب المزايدة والتهكم. وليس جديداً على الأصوات الصاخبة أن تدعو عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى فاعليات استهزائية، لعل آخرها الدعوة “للتبول الجماعي” في الزمالك اعتراضاً على طبقية ساكنيها ونزعاتهم الطبقية. وكأن لا طريق ثالثاً بين نخبوية فيفي هانم وشعبوية شعبولا، وكأن الثورية مقترنة بالاندفاع العاطفي دون تقصي للحقائق والمعلومات، فتكتب المقالات على مواقع بعض المجموعات الثورية مبتسرة وناقصة.

 

(2)

 

كنا في الإسكندرية عندما نتجادل عن محددات الطبقة الاجتماعية، أي عن العناصر التي يتحدد على ضوئها موقع الفرد/الأسرة من الطبقات الاجتماعية المختلفة، يدور الحوار بنا حول التعليم والمهنة ومستوى الدخل والمكانة الاجتماعية. لم يلتفت منا أحد إلى أهمية الحي السكني كمحدد طبقي إلا صديق من عائلة ذات أصول ريفية ونشأة مدينية مزدوجة بين القاهرة والإسكندرية.

 

أزعم أن وعي الصديق علي الرجّال بهذه الزاوية الطبقية وليد منزل جده لأبيه المطل على قبة البرلمان في شارع الفلكي بوسط القاهرة، وليس وليد منزل جدته لأمه في “زيزينيا”، ولا منزل أسرته القريب من شارع سوريا في منطقة “رشدي” القريبة من البحر.

 

على عكس ما يوحي اسمها، تعد منطقة “كفر عبده” أرقى مناطق الإسكندرية بالمفهوم النخبوي. فموقع المركز الثقافي البريطاني والقليل مما تبقى من منازل الدبلوماسيين ونخبة السلطة فيها لا يزال يشهد على الزمن الذي احتلت فيه السفارات والقنصليات مواقعها في مدينة الثغر قبل أن تنتقل إلى العاصمة السياسية، وقت أن كانت مياه البحر المتوسط، لا سماؤه، هي وسيلة الاتصال الأساسية بين مصر وأوروبا. غني عن الذكر أن الإسكندرية كانت العاصمة التجارية لمصر حتى وقت غير بعيد، ولا يزال المقر الصيفي لرئاسة مجلس الوزارء في منطقة “فلمنج” شاهداً على إدارة شؤون البلاد جزئياً منه حتى آخر حكومات مبارك.

 

لا يفصل محطة “الوزارة” عن “باكوس” الشعبية سوى محطتين من الترام الأزرق، الذي يخترق شارع أبي قير ليعود منضماً إلى الخط الآخر الذي ينطلق من جوار مدرسة “كلية فيكتوريا” ملتزماً بالمرور على محطات “رمل الإسكندرية” النخبوية (السرايا أو شارع الإقبال – ثروت – لوران – سان ستيفانو – زيزينيا – الفنون الجميلة – جليم – سابا باشا – الهداية – بولكلي)، ثم ينطلقا سوياً إلى “مصطفى كامل” ليفترقا من جديد ويلتقيا عن بوابة النادي السكندري الأعرق في النخبوية “سبورتنج”، ومنه إلى “محطة الرمل”، نهاية الخط.

 

أما كفر عبده، التي لا يدخلها الترام الأزرق، أو أي من وسائل النقل العام، فلا يفصلها عن سوق “الزعربانة” سوى شارع واحد. وهو أول حدود منطقة “الظاهرية”، حيث يتضح التباين العمراني والثقافي من العنوان، “الزِعْرِبانة”!

 

لا يرى “كفر عبده” البحر، كما لم تره منطقة القصور والبيوت التراثية القديمة/البائدة في حي “محرم بك”. ولم يكن الرقي الذي وُصِفا به، أو اتصفا به فعلاً، جنباً إلى جنب مع “وابور المياه” مرتبطاً بكونهم من مناطق الترام الأزرق، فمحرم بك هي عاصمة الترام الأصفر (الشعبي)، وهي التي تتوسط “محطة مصر” و”الحضرة” و”الغيط الصعيدي” و”غيط العنب” و”ترعة المحمودية”.

 

يرى الصديق محمود العدوي، الناشط التنموي القاهري، أن أهم ما يميز الإسكندرية اجتماعياً عدم وجود فواصل طبيعية أو صناعية بين أحيائها المتفاوتة اقتصادياً وعمرانياً، فلا يوجد بالإسكندرية جزر طبقية كما في القاهرة. فحي “سموحة”، منطقة الصاعدين طبقياً المتباهين بأموالهم واستهلاكهم وعضويتهم الحديثة في ناديها، تبدأ من “عزبة سعد” ناحية “الحضرة” وتنتهي بـ “حجر النواتية”، القريبة من “أبي سليمان”. أما “جليم” فهي ملاصقة تقريباً لـ “باكوس”، و”لوران” على مرمى حجر من “الرمل الميري”. ويمكنك أن تعمم هذا على أغلب أحياء الإسكندرية الموسومة بالرقي، قبل زحف الفساد الأسمنتي.

 

(3)

 

ذات مساء ربيعي معتدل الطقس، جلسنا في “فراندا” منزل جده في الطابق السادس. كان ظهري إلى قبة البرلمان، في حين جلس صديقي بيني وبين مكتب الفقيه الدستوري الراحل، واضع دستور المملكة التونسية والحائز على الباشوية من ملكها القديم. تطاير دخان التجلّي فوق رأسه وهو يتأمل في آثار انتقال الحكم من القلعة (باب الباشا) إلى قصر عابدين في عهد الخديوي إسماعيل.

 

كادت الألوان حولنا أن تختفي لصالح الأبيض والأسود اللذيْن تسربا إلينا في مشهد ملهم لكتاب السيناريو والروائيين التاريخيين. فلم يعد صعباً علينا أن ننفصل عن واقع وسط البلد وأحيائه المحيطة في 2013 لنتخيل الفراغ الذي بُني فيه قصر عابدين ودواوين الحكومة، القائمة بمبانيها وأدوارها الوظيفية حتى الآن منذ القرن التاسع عشر، في ذلك الوقت الغابر الذي الذي استعان الخديوي فيه بجورج هاوسمان، معماري باريس الحديثة، ليؤسس حي وسط القاهرة “الأوروبي”. في هذه الفترة، بدأت الجذور الطبقية-العمرانية في التبلور، حيث احتلت طبقة الحكم مدينة الحدائق، “جاردن سيتي”، التي كانت مهجورة سكانياً (أي والله، كانت مهجورة ولم تكن في عراقة الأحياء الشعبية القديمة!)

 

لجزيرة الزمالك، جمع “زُمْلك”، أصل أقدم. يعود للباشا الألباني الأصل، مؤسس الدولة العسكرية المركزية في مصر، محمد علي. ليس المقال في مقام البحث عن معنى “الزملك” بالتركية، أو سياق إطلاق الاسم على الجزيرة التي كان لها “عُمدة” حتى وقت قريب. الأكيد أن الزمالك “جزيرة”، والراجح أن هناك من يريدها منعزلة، أو قليلة الاختلاط، قدر الإمكان.

 

(4)

 

تتيح حدود “كفر عبده”، المفتوحة على سوق “الزعربانة” من ناحية، وعلى حي “مصطفى كامل” الأقل نخبوية من الناحية الأخرى، لكل من سكانها وجيرانها حرية الانتساب لحي “الصفوة” أو التبرؤ من منطقة “الفرافير” و”الشباب السيس”، بحسب السياق. فصديقي المولود أباً عن جد في “كفر عبده” يعلن أمام أصدقائه على المقاهي الشعبية في وسط إسكندرية أنه من “مصطفى كامل”، هارباً من الصورة النمطية السائدة عن أبناء “كفر عبده”. غيره كثيرون ممن لا يكفيهم شارع “ونجد” لإشباع غرائزهم في الانتماء الطبقي النخبوي يدّعون أنهم من “كفر عبده” مراهنين على الجهل الجغرافي للمستمع بهذه المنطقة “المنفّدة على بعضها” من الداخل.

 

ابن الزمالك الثائر على نخبويتها وطبقية الكثير من قاطنيها يستطيع أن يغير من هيئة ملبسه، ونبرة صوته، ومفردات خطابه، وسلوكياته، بل منظومته القيمية بالكامل، لكنه لن يستطيع الفكاك من أسر الانتساب إلى “جزيرة الزمالك”، وما يرافقها من إدراك للذات الطبقية وللفروق بينه وبين جيرانه سكان الضفة الشرقية للنيل، “بولاق أبو العلا”. لن يمكنه التحرر من الصور النمطية السائدة – سواء كانت إيجابية أم سلبية – لدى المستمع حين يعرف أن صاحبنا مولود في الزمالك لأسرة لا تعمل في الخدمة، بل لديها من يخدمها – غالباً. فلا فكاك، إذن، من “هوية طبقية”.

 

قبل إنشاء جامعة “فاروس” الخاصة، لم يكن في الإسكندرية سوى جامعة واحدة. “المشروع” (الميكروباص) في الإسكندرية على درجة كافية من الآدمية، حتى الآن، تجعله خياراً مناسباً لأغلب سكان المدينة من طبقاتها المختلفة. يحمل الترام الأزرق أو “المشروع” طلاب الجامعة متفاوتي الانتماء الطبقي ليجمعهم مدرج واحد، ومعمل واحد، و”كافيتيريا” واحدة. وحتى وقت قريب، كان للجميع فرصة متساوية للنزول في شاطيء واحد، أو شاطئين متلاصقيْن، كما التمشية على كورنيش واحد، أو في شارع “سينما لاجيتيه” واحد، أو في محطة رمل واحدة. لم تعرف الإسكندرية وجود جامعة أمريكية يذهب إليها أبناء “كفر عبده” بسياراتهم الخاصة، حتى لو كان لهم قبل الجامعة مدارس لا يرتادها أغلب سكان المدينة.

 

نتعب كثيراً في شرح عشقنا للإسكندرية لأصدقائنا القاهريين الذين يظنون أن الهوس بــ “مدينة الرب” صنيع مسلسلات أسامة أنور عكاشة أو وليد مبالغات يوسف زيدان. في حين أني، على المستوى الشخصي، لم أهتم مطلقاً بالحديث عن انتمائي الطبقي وحراكي الصاعد من الفقر إلى توسط الحال إلا في المجتمع القاهري ذي الوعي الطبقي العالي، بل المركزي في كثير من الأحيان. أشكر للإسكندرية، كما عرفتها، لا كما يجري اغتصابها عمرانياً الآن، أنها لم تفرق بين ابن “الورديان” وابن “ميامي”، أو بين ابن “كرموز” وابن “الإبراهيمية”، فلم نسمع أبداً عن شخص رُفض في وظيفة ما لمجرد أنه من سكان منطقة بعينها في الإسكندرية، كما يحدث ويتكرر في عاصمة القهر.

 

(5)

 

لا يمكنني أن أنسى الابتكار في “التسول النهري” حين سهرت مع زوجتي ليلة عقد زواجنا على ضفاف فندق “سوفيتيل الزمالك”، كاستثناء برجوازي يليق بهذه الليلة الفريدة. أتت إلينا المتسولة بقاربها ومجدافيْها ومعها طفلها تستجدي منا القروش بعبارات الدعاء للباشا والهانم.

 

خلف قاربها اليدوي المصنوع غالباً لأغراض الصيد، اقترب قارب ترفيهي أكبر حجماً يسير بمحرك يعمل بالسولار مخصص للجولات النيلية والحفلات الشعبية. بدا سلوك القارب الترفيهي متعمداً لإزعاج نزلاء الفندق الفاخر ورواد مطعمه الباهظ بالموسيقا الشعبية الصاخبة. تكررت ملاحظتي خلال فترة إقامتي القصيرة بجزيرة الزمالك، فسمعت من شرفتي بالطابق السابع في عمارة مقهى “كوستا”، بتقاطع شارعيْ أحمد حشمت مع محمد المرعشلي، العديد من هذه القوارب المقتربة من الجزيرة كي تلقي بالضوضاء على سكانها قبل أن تعود لمرساها ناحية كوبري أكتوبر قبالة مقر الحزب الوطني المحروق. أرجح التعمد، لا العفوية، وأراه شكلاً من أشكال الاحتجاج الطبقي الصامت الصاخب.

 

“إذا استطاعوا أن يغضوا أبصارهم عن وجودنا، فلن يستطيعوا إغلاق آذانهم عن سماع ضوضائنا” هذه هي العبارة التي تخيلتني أسمعها من أحدهم/إحداهن. الرسالة وصلت.

 

(6)

 

وقف شباب لجان “البوليس الشعبي” في شارع “ونجد” في الأيام الأولى من الثورة يستوقفون من يشتبهون فيهم من ذوي “الأشكال الغلط” ويسلمونهم لقوات الجيش. كان لزاماً على محمد إبراهيم، العائد من المستشفى الأميري حيث ترقد أمه في احتياج للتبرع بالدم، أن يسلك شارع “ونجد” ليدخل إلى شارعه في منطقة “الظاهرية” من حيث أتى من ناحية شارع “أبي قير”. لم يعجبهم شكله، ولم يقنعهم سبب مرور “واحد من الظاهرية” في شارعهم الموقر. مزقوا ما يثبت سبب خرقه لحظر التجوال وسلموه لقوات الجيش، مع عدد آخر ممن لم تعجبهم أشكالهم أو هيئاتهم أو طريقة كلامهم من سكان “الظاهرية” العابرين اضطراراً من الشارع النخبوي المذكور.

 

قضى محمد إبراهيم، مع آخرين التقيتهم في فبراير 2011، أحلك لحظات حياتهم طيلة أسبوعين بين سجن أبي قير العسكري والمنطقة الشمالية العسكرية وسجن الحضرة، وكتب لهم عمر جديد بخلع مبارك. أطلق سراحهم في الشارع بملابسهم الداخلية عقب التنحي بيوم واحد، وانطلقوا مذهولين في حالة هيستيرية غير مصدقين أنهم أحرار.

 

في الزمالك، كان للمصور والمخرج سمير عِشرة تجربة مؤلمة مشابهة جداً. الفرق الجوهري بين التجربتين أن سائق سيارة الأجرة الذي دخل إلى الزمالك  أثناء توصيل سمير وصديقه كريم كان لديه خيارات أخرى للعبور من القاهرة إلى الجيزة متجنباً الجزيرة، في حين أن ساكن “الظاهرية” القادم من شارع “أبي قير” ليس أمامه سوى الدخول إلى شارع “ونجد”.

 

الجزيرة ليست معزولة بالمعني الميكانيكي، فثلاثة جسور ومحطة مترو أنفاق على الخط الثاني كافية لتحقيق التواصل بينها وبين ضفتي النيل، في القاهرة شرقاً والجيزة غرباً. لكن ما لمسته، مراراً وتكراراً، أن العزلة المعنوية والنفسية المحيطة بالزمالك حقيقية وليست متوهمة. تظهر في تفضيلات سائق التاكسي والعمالة المساعدة في الأشغال المنزلية، كما تظهر في اعتزاز مواليد الزمالك بكونهم ليسوا من الوافدين إليها حديثاً، وبمعرفتهم الدقيقة بتفاصيل الجزيرة التي يعتبرون الخبرة بدقائقها علامة أصالة في الذاكرة الشخصية والعائلية.

 

(6)

 

أين يذهب أثرياء الزمالك أو الهاربون من زحامها؟ يذهبون إلى التجمعات السكنية الأكثر تطرفاً في النخبوية والطبقية على أطراف القاهرة الكبرى، كما يفعل أقرانهم في الإسكندرية الهاربون من الأحياء الموسومة بالرقي إلى تجمعات غرب إسكندرية و”جيتوهات” كنج مريوط. هناك، يستبدل الحاجز المائي الطبيعي المحيط بجزيرة الزمالك النيلية بأسوار وبوابات لا يجتازها إلا حامل بطاقة تميزه عن غيره. ولا عجب أنهما يلتقيان في مصايف ومنتجعات شتوية تجمعهما سوياً بطابعها الانعزالي التمييزي، مع بعض الخدم والعمال.

 

القاهرة والإسكندرية، معاً، في مصر. إي والله! فليس المقصد أن أعقد مقارنة سطحية تظهر فيها الإسكندرية كعروس البحر المتوسط المتشحة بملاءتها السوداء، المتبخترة بخلخالها الذهبي، التي تغتاظ منها الولية الحيزبون، “اللي ما تتسمى”، القاهرة. في الحقيقة، يتم اغتصاب عروس المتوسط أسمنتياً. ويتم السطو على مقتنياتها الأثرية والتراثية جهاراً نهاراً، ويتم الفتك بمساحاتها الخضراء على عينك يا مقاول.

 

المساواة في الظلم افترا، ولا تمت للعدل بصلة. فلست من دعاة إلحاق الخراب بالجميع استجابة لهلاوس شيوعية مطلقة. وبالتأكيد، أحرص على فيلا المعهد السويسري بالزمالك، أطال الله بقاءها، كحرصي على قصر فيكتور عمانويل في محرم بك، رحمه الله. وليس المقام هنا لتفاضل جهوي أو تنافس زائف بين إسكندرية وقاهرة.

 

(7)

 

الدعاية السوداء والوصم الاجتماعي والاختزال مرفوض. وكذلك نكران البعد الطبقي في حراك سكان الزمالك. لنكون أكثر صراحة، دعونا نتحدث عن الجانب الطبقي بوضوح لنعالجه ونتفهمه، ذلك أفضل من إنكاره.

 

قد تأتي المصارحة بغير المتوقع، فنكتشف أن الذين انساقوا للنداءات الشعبوية ضد “انتفاضة الزمالك” أكثر حساسية طبقياً “من تحت إلى أعلى” من أؤلئك الطبقيين “من فوق إلى أسفل”، وفق تعبير إحدى أعضاء جمعية “تنمية خدمات الزمالك” في مكالمة هاتفية معها لاستيضاح حقيقة الأحداث.

 

دعونا نتصارح بالتخوفات المشروعة من التحرش الجنسي، ولماذا ارتبط هذا التخوف بالطبقات الشعبية الأدنى. هل لأن سكان الزمالك شبعانين جنسياً أو يتمتعون بالحرية داخل عقاراتهم التي لا يجرؤ على التطفل عليهم فيها حراس البوابات أو الجيران؟ هل هذا تسليم ضمني بأن التحرش سببه الحرمان؟

 

دعونا نسبر أغوار خطاب أعضاء صفحات “الزمالك تنتفض” و”لا للمترو” على “فيسبوك” ونرى كيف يرون ذكرياتهم في طيات حسراتهم على المنازل الأثرية والتراثية المهدومة. لماذا اهتم صاحب صورة تتحدث عن “برج فودة” الذي احتل مكان The Red Court بتخوفات والده من اعتداء عمال البناء عليه لأنه كان وسيماً و”ذا شعر”، كما قال عن نفسه؟

 

أين يقع الخط الفاصل بين الطبقية النخبوية المتذرعة بأدبيات العمران حول الشخصية المميزة لمناطق الاجتماع الحضري/المديني وبين الاقتناع غير النخبوي بهذه الأدبيات وما يصحبه من خوف على الذاكرة الجمعية أن تمحى؟

 

أو دعونا نتساءل عن مقلوب ما سبق، عن الحد الفاصل بين الدفاع عن أنماط عمران واجتماع الفقراء من منظور إنساني عطائي يطالب الدولة والمجتمع الكبير بمساندة المجتمعات المحلية الكادحة/المهمشة تخطيطاً وتنظيماً وتمويلاً وتنميةً، وبين الحرص على الإبقاء على الأحوال المزرية كما هي من منظور نخبوي أناني للحفاظ على مساحة معتادة للعمل الخيري والصورة الفوتوغرافية الإنسانية والمآسي الدرامية، وكل هذه “الصعبانيات”؟

 

نشاط جمعية “تنمية خدمات الزمالك” أوسع من قضية محطة المترو، هذه حقيقة. لكن تجاوب قطاع مهم من السكان مع هذه القضية تحديداً أكبر من تجاوبهم مع غيرها، هذه حقيقة أخرى.

 

بعض الناشطين في حملة “لا للمترو” من مؤسسي حملة “أحياء بالاسم فقط”، ولهم أدوار مشرفة مع أهالي “رملة بولاق” وغيرها من مساحات حضرية غير منظمة يقطنها الفقراء والطرف الأضعف في المجتمع القاهري وغير القاهري، هذه حقيقة ثالثة. لكن نتيجة ضغط سكان الزمالك أتى بنتيجة وقائية دون الاحتياج للتدخل القضائي العلاجي، هذه حقيقة محتملة تستحق التأمل.

 

قضية محطة المترو بها جوانب متعلقة بالفساد واستغفال السلطة للمواطنين فيما يخص حقوقهم المنصوص عليها في القوانين والتعاقدات الرسمية وتعمّد تضليلهم بالتفاصيل الفنية الكثيرة، كلها حقائق. لكن لماذا تمسك سكان الزمالك بالنص على اشتراط موافقة السكان في سياسة الجهة المانحة لمشروع خط المترو الثالث، وبنوا على هذا النص حملتهم، دون اعتبار لرأي أصحاب المصالح في هذه المنطقة السكنية من غير السكان؟ أليس تساؤلاً مشروعاً؟

 

لم ينتفض سكان الزمالك من أجل إلغاء محطة المترو، بل اقترحوا ثلاثة أماكن بديلة، حصل والله. لكن كثيراً منهم اعتبر إعلان هيئة مترو الأنفاق عدم افتتاح محطة المترو في الجزيرة انتصاراً وحلاً وسطاً/مؤقتاً مقبولاً، ألم يحدث؟

 

دعونا نتصارح طبقياً ونكشف عن تحيزاتنا “من تحت إلى فوق” و”من أعلى إلى أسفل”، ولنطلق عنان التعبير عن الذكريات وعن الخوف من المصير الذي آلت إليه حال “وسط البلد” بسبب ربطها بشمال القاهرة الريفي (جنوب القليوبية) بالخطيْن الأوليْن لمترو الأنفاق. ذلك أفضل بكثير من النكران المتشنج للدوافع الطبقية.

 

(8)

 

انتهينا من المصائب الكبرى كلها ولم يبق لنا سوى محطة مترو الزمالك؟!

 

محطة مترو الزمالك جزء من المشهد الاجتماعي السياسي نستطيع أن نرى من خلاله القضايا الكبرى للثورة المصرية، تلك التي لم تقم من أجل القصاص لشهدائها، إي والله!

 

أضاف الدم استحقاقات مهمة لمسيرة الثورة المتعثرة، على رأسها العدالة الانتقالية، لكن المطالب الأصيلة المرتبطة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ظُلمت كثيراً باسم المناداة بحقوق الشهداء. ودوماً كان لحرمة الدم من الجلال والهيبة ما يحمل الكثيرين على إعطائها الأولوية القصوى من الاهتمام.

 

الخازوق الأعظم الذي ابتليت به الثورة المصرية هو معارك الاستقطاب الوهمية، لاسيما ثنائية “الإسلامي – العلماني” التي دلفت منها الثورة المضادة، وامتطت، وتدلّت أقدامها. فماذا لو كان المقال تكراراً لما نعرفه جميعاً من تحالف العسكر والإسلاميين الذي انقلب عليهم في النهاية؟ هل سيمثل أية إضافة؟

 

لقطة الصراع حول موقع إنشاء محطة مترو الزمالك ضمن المشهد السيريالي الواسع في مصر، يكشف كثيراً من ديناصورية الدولة وأجهزتها البيروقراطية النائمة في الحرام مع رأس المال. كما يكشف عن نضال مواطنين استثمروا المساحات التي أتاحتها الثورة ومارسوا حقوقهم وتعرضوا لدعاية سوداء، لا ينفي زيفها حقيقة وجود البعد الطبقي في حراكهم.

 

التساؤل الإيجابي المطروح الآن: كيف يمكن لسكان الأحياء الأقل نفوذاً وتعليماً أن يمارسوا ضغوطاً ناجحة بمبادرة واستقلال؟ كيف يمكن لأصحاب المصالح في الزمالك من غير قاطنيها أن يشاركوا في اتخاذ القرار وأن يكون لهم صوت مسموع؟

 

الفوز الكبير هو محصلة مجموعة من الانتصارات الصغرى.


هل من أفق لموجة ثورية قادمة؟

28 نوفمبر, 2013
تصوير مانو برابو - أ ب

الصورة نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية

النص الأصلي لمقال جريدة السفير العربي المنشور بالعنوان ذاته بتاريخ 27 نوفمبر 2013

إسماعيل الإسكندراني

.

كان الثلاثون من يونيو/حزيران موجة ثورية رابعة، قبل أن ينقلب العسكر على مطلبها الرئيس في الثالث من  يوليو/تموز، في حين تمثلت الموجة الثالثة بخروج الحشود الغفيرة معترضة على الإعلان الدستوري السلطوي الذي أصدره الرئيس المعزول محمد مرسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، ولم تهدأ الاحتجاجات إلا بالتراجع عنه، كما لم تهدأ قبلها بعام في أحداث محمد محمود (الموجة الثورية الثانية) إلا بتوقف القتل والإعلان عن موعد تسليم السلطة بانتخابات رئاسية. وكما تمت الإشارة في مقال سابق إلى عملية التحويل التي طالت الثورة وأهدافها الأصيلة؛ في “العيش” بــ”كرامة إنسانية” و”الحرية” و”العدالة الاجتماعية”، فإن الشعارات الدخيلة الطافية على سطح الحراك المتأزم المشهود في المجتمع المصري تعكس هشاشة المسار العسكري/الأمني الراهن، وتفضح عناصر تقويضه الذاتي. فلم تكن الشعارات الأربعة الرئيسية محل جدال حقيقي حول معناها أو أحقيتها أو انتهاكها المسبب للثورة، في حين يعكس شعار “الدفاع عن الأمن القومي” و”مكافحة الإرهاب” قدراً كبيراً من الزعم والادعاء والخلاف حول تحديد المعنى وتقدير الأولوية والحكم على حقيقة علاقة ممارسات السلطة الحالية بالشعارات المرفوعة.

.

الحرب على الإرهاب

.شعار “الحرب على الإرهاب” يستلزم لتحققه عملياً وجود كل من “الحرب” و”الإرهاب”، وإن كان المنطق يستدعي السبب (الإرهاب) قبل النتيجة (الحرب). لا شك في وجود الحرب؛ فالسلاح المحتكر شرعيته مستخدم ميدانياً بكافة أحجامه وأنواعه وذخيرته، والضحايا والخسائر في صفوف “الأعداء” لم تتوقف عن السقوط، قتلى ومصابين ومعتقلين. الريبة،كل الريبة، في هوية هؤلاء الأعداء؛ هل هم إرهابيون حقيقيون أم مشروع إرهابيين؟ فما لمسته واستقصيته ميدانياً في سيناء وكرداسة أن المتورطين في أعمال العنف لم يتأثروا كثيراً بالحملات العسكرية والأمنية الموسعة، في حين تم الانتقام العشوائي والعقاب الجماعي لمناطق جغرافية بالكامل. بل أصدرت بعض الجماعات المسلحة، مثل أنصار بيت المقدس، تسجيلات مرئية وبيانات إعلامية تتباهى فيها بالخسائر التي أوقعتها في صفوف الجيش وقوات الشرطة الخاصة، والتي قد تكون أكبر بكثير من القتلى في صفوف الجماعات مجتمعة.

الانتهاكات البشعة التي طالت هذه المجتمعات المحلية كفيلة بصناعة الإرهاب، أو على الأقل بدفعها إلى الثأر العنيف من السلطة ممثلة في الجيش والشرطة. وصف الانتهاكات بالبشاعة ليس أدبياً، بل هو الوصف المنضبط لقصف المنازل بالطائرات والدبابات، وقتل الأطفال والنساء داخل منازلهم دون تحذيرهم قبل القصف، واعتقال أهالي المطلوبين كرهائن للضغط عليهم لتسليم أنفسهم، والتهديد العلني في مكبرات الصوت باغتصاب نساء كرداسة، واستنساخ حرق أثاث المنازل الذي طال عشرات البيوت في القرى الحدودية من شمال سيناء وتكراره في بعض المنازل في كرداسة، فضلاً عن تجريف المزارع واقتلاع الأشجار، وإحراق السيارات وإتلافها، ونهب محتويات البيوت من حلي ذهبية ونقود، بل حتى الملابس والمواد التموينية والغذائية. فإذا كانت الممارسات في شمال سيناء قد تمت تحت غطاء من الجهل الجغرافي والأمني بها والتمهيد لها عبر سنتين من الخطاب التفزيعي، فإن كرداسة القريبة من أهرامات الجيزة قد تمت شيطنتها في أسابيع محدودة وتصويرها كثكنة مسلحة دون أن تتحمل الصحافة عبء استكشافها ميدانياً.

جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا تمحى من الذاكرة الجمعية في مجتمعات يستحضر شيوخها ذكرياتهم مع جيش الاحتلال الصهيوني في سيناء أو دولة عبد الناصر البوليسية في كرداسة، ويقارن شبابها ما يرونه الآن بما رأوه من داخلية مبارك أو ما تابعوه عن بعد في سوريا. الحقيقة المؤسفة أنه في كلتا المقارنتين تطيش كفة الجيش والشرطة بعد انقلاب 3 يوليو/تموز، ولا يتفوق عليهما سوى شبيحة سورية.

اندلاع شرارة الثورة في 2011 يوم عيد الشرطة التي انتهكت أجساد الشعب وحرماته في دولة مبارك، والتوزيع الجغرافي لنقاط الاشتعال الثوري في المدن التي شهدت أكبر قدر من التعذيب والقمع البدني، وخفوتها في المحافظات التي اعتمد نظام مبارك فيها على القوة الناعمة، كلها مؤشرات على ارتباط الثورة بالثأر. والنظام الذي يستمد التأييد الشعبي من منطلق شرعية “الحرب على الإرهاب” يجب أن يحافظ على وجود الإرهاب، أو يفتعله ويصطنعه، كي يستمر مسوغ وجوده. وهو ما يعني مزيداً من الثأر المتضخم في نفوس مجتمعات لا يغيب عن ثقافتها التسليح الأهلي، حيث لن تصمد آليات الضبط الاجتماعي فيها طويلاً أمام غضب أصحاب الحقوق المهدرة، بالأخص الشباب منهم. (للمزيد حول هذه الفكرة، انظر: الثأر والثورة: لماذا يثور الشمال ولا يفعلها الجنوب )

.

الأمن مقابل الغذاء

. 

علاوة على التوسع الأفقي/الجغرافي لدائرة الانتهاكات وتربية الثأر، وبموازاته، هناك التوسع الرأسي في شرائح مختلفة وحيوية من الشعب، أخطرها على الإطلاق هي الشرائح العمرية المتحررة من صفقة “الأمن مقابل الغذاء”، وهم طلاب الجامعات والمدارس. تقطيع الأواصر الجغرافية سياسة منتهجة من قبل السلطة البوليسية العسكرية منذ 30 يونيو/حزيران، سواء بتضييق الخناق على الحركة من سيناء وإليها وداخلها، أم بمحاصرة دلجا وكرداسة، أم حتى – والأنكى من ذلك كله – بتعطيل السكك الحديدية في عموم الجمهورية لأكثر من شهر ونصف بلا سبب مفهوم سوى التقليل من زحف معارضي الانقلاب إلى العاصمة من نواحي الأقاليم في الدلتا والصعيد. لكن إجراءات مثل هذه لم يمكنها أن تعطل الدراسة سوى جزئياً بتأجيل التسكين في المدن الجامعية للطلاب المغتربين.

يعجز التحليل الرصين عن وصف نزول الجيش والشرطة إلى المدارس، سواءً للتوجيه المعنوي أم للمطاردة وفض المظاهرات والاعتقال وإطلاق النار التهديدي وقنابل الغاز. فهذا عبث سياسي وأمني. ومع جيل تشكّل وعيه، أو لا يزال، على ضوء ثقافة “مكمّلين” و”يا نجيب حقهم يا نموت زيهم” و”هنفضل ثورجية لحد ما نوصل للحرية”، فإن أدوات القمع والهيمنة الكلاسيكية قد صارت مادة للسخرية واللعب والمناورة. بالتأكيد، لا يزال الانقسام ضارباً في أرجاء المجتمع، بدءاً من جدران القرى والمدن الصغيرة التي تتقاسم العبارات ورسوم الجرافيتي المؤيدة والمناوئة لكل من الطرفين، وحتى تأثر تلاميذ المدراس الابتدائية بتوجهات عائلاتهم. لكن الأكيد أيضاً أن وقوع ضحايا في صفوف الشباب والأطفال، وهو ما ترجح وقوعه المؤشرات الخطيرة الحالية، فضلاً عن اعتقال العشرات منهم تعسفياً وتوجيه بعض التهم الكوميدية إليهم واتخاذ إجراءات غير قانونية بحقهم، يؤدي ذلك كله إلى توسيع دوائر التضامن الآلي والعضوي في مجتمعات تحتشد طبيعياً لعدد غير قليل من الساعات يومياً.

.

الصراع المحتدم داخل الأجهزة

 .

للثورة المضادة/الانقلاب العسكري/تحالف السلطة الحالي دوائر من الدعم وأركان يقوم عليها. تبدو هذه الدوائر من القوة، وتلك الأركان من الثبات، على ما هو مخالف لحقيقتها. فالمؤشرات والمصادر تنبؤنا بصراع محتدم بين أجنحة متناحرة داخل الأجهزة الإدارية والبيروقراطية في الدولة. والدوائر الشعبية الداعمة يدخل أغلبها في الصفقة الضمنية التي أسميها “الأمن مقابل الغذاء”. وهي صفقة جيلية من الطراز الأول، ليس بالمحدد العمري وإنما بالمحدد الثقافي، الذي يرتضي اعتزال الشأن العام وعدم تعكير صفو الأمر الواقع مقابل أمنه الاقتصادي والمعيشي المعتاد. القواعد الشعبية التي شاركت في مظاهرات “تفويض” الجيش لمواجهة “العنف والإرهاب المحتمل”، وفق نص دعوة عبد الفتاح السيسي في الرابع والعشرين من يوليو/تموز، هي إما شرائح من الطبقة الوسطى الكلاسيكية ترى في الجيش حارساً أميناً لوضعها الطبقي وما اعتادت عليه مهنياً ومالياً واجتماعياً، مما قد يكون أشد بؤساً من تطلعاتها فقيرة الخيال، وإما من البسطاء المتأثرين بحملة الدعاية التليفزيونية والصحفية الرسمية التي لم تسلم منها وسيلة نشر لم تتعرض للإغلاق.

الصراع داخل أعلى مؤسسة سياسية مفترض أنها تمثل إحدى دوائر صنع القرار في تحالف السلطة الراهن، بلغ حد الشقاق بين المستشار السياسي والمستشار الإعلامي للرئيس المؤقت. وهو ما يتزامن مع أرضية هشة من جماهير جمعتهم الحاجة للأمن، دون أن تكون في مأمن من الاقتتال إذا تعرض غذاؤهم للخطر. “الأمن مقابل الغذاء”، أي الأمن والغذاء مقابل التنازل عن الحريات ودولة القانون، صفقة تعجز عن الوفاء بها سلطة متورطة في جرائم وعقوبات جماعية بحق مئات القتلى وآلاف المصابين وعشرات الآلاف من المعتقلين وعائلاتهم وأهالي المطلوبين وسكان مناطق جغرافية كاملة؛ كالصعيد المقطوع عنه شريان المواصلات الرئيس (السكك الحديد)، فضلاً عن عدة مدن وقرى أخرى. بالتوازي مع صراخ المؤشرات الاقتصادية بالانهيار الوشيك والأزمة غير المسبوقة، فإن استمرار المظاهرات الاحتجاجية اليومية المتزامنة في بقاع مترامية بما يفوق قدرة أي فصيل سياسي منفرداً على الحشد يربك الحسابات المراهنة على “الحـَـقْن المالي” الخليجي، الذي لا يكفي وحده.

افتضاح كذب الدعاية الرسمية بين صفوف أشد مؤيديها ومصدقيها امتد ليشمل أهالي ضحايا العشوائية الأمنية والعقاب الجماعي الذي طال قطاعات من أخلص مؤيدي الجيش، كما شمل صفوف الجنود الذين سمعهم بعض الأهالي يراجعون أنفسهم حين لم يجدوا “الإرهابيين” الذين يتم شحنهم في معسكراتهم ضدهم. ولما ناقض فصيل من الثوار نفسه، مثل “تمرد” وجانب من جبهة الإنقاذ، وجمدوا موقفهم من أجهزة السلطة القمعية نكاية في الإخوان والإسلاميين، لم يكونوا يدركون حجم ما ستصل إليه الانتهاكات والمذابح. ولا يبرح تحالف السلطة الحالي أن ينفرهم ويستعديهم بجوره على الحريات والحقوق. أما جماهير صفقة “الأمن مقابل الغذاء” فلن يطول صبرهم طويلاً وقد تضرروا كثيراً في معيشتهم اليومية، ولم يمسهم أي تغيير اقتصادي إيجابي، بل لم يصلهم أي مؤشر أن أوضاعهم ستبقى كما كانت عليه دون تدهور. كلها أمور قد تجدد الأمل في استكمال المسار الثوري إلى الاستمرار حتى بلوغ غاياته، وتطارد شبح التحول الإصلاحي الذي قد يكلف المجتمع خضوعاً للدولة القديمة في ثوبها الجديد.

.


%d مدونون معجبون بهذه: