في ذكرى زيارة البرادعي لأسرة خالـد سعيـد: حينما يتحول التضامن إلى انتهــاك ضمني


إسماعيل الإسكندراني – يونيو 2012

في الذكرى الثانية الثانية لزيارة الدكتور محمد البرادعي إلى أسرة خالد سعيد بالإسكندرية، أنشر مقالاً رفض أحد المواقع الكبيرة نشره في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد خالد سعيد، أنقد فيه الرواية والأوهام السائدة حول قضية خالد سعيد، دون اعتبار للمزايدات التي لا يمكن أن تنفي مشاركتي منذ اليوم الأول في نصرة قضيته ميدانياً والانتقال به من تضامن تقليدي على سلم النقابات أو جامع القائد إبراهيم إلى عمق المناطق الشعبية حيث الالتحام بالجماهير الغفيرة وتحوّل النشطاء إلى أقلية عددية.

كتبتُ هذا المقال منذ عام مضى، أي قبل تحقق كل مخاوفي بشكل فج في أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية، حيث يقتصر التضامن على “ولاد الناس اللي شبهنا”، ونبخل به عن المختلفين عنا. وتوقعت فيه الحكم النهائي الذي صدر على قتلة شهيد الطواريء. 

وهو منشور على مدونة إسكندراني مصري

لا أشكك في محورية قضية خالد سعيد، ولا في شجاعة أسرته وصمودها، بل أرفض مركزيتها وأحاول فضح التحيزات الكامنة فيها. (رابط ذو صلة: الفقراء أولاً يا ولاد الكلب!)

ويهمني تعليقاتكم..

لمـاذا اختلفت قضيـة خالـد سعيـد? 

 حينما يتحول التضامن إلى انتهــاك ضمني!

منذ عام تقريباً تفجرت في الإسكندرية قضية أشهر شهداء نظام مبارك، خالد سعيد، الشاب السكندري ذا الثمانية والعشرين عاماً، رغم أنه لم يكن صاحب أبشع قضية تعذيب أفضى إلى قتل على يد الشرطة. بل دعونا نقول إنه في قسم شرطة سيدي جابر وحده لم يكن خالد الضحية الأولى ولا الأخيرة. فما سر اختلاف قضية خالد سعيد التي حولته رمزياً إلى “أيقونة” الثورة المصرية؟ وهل عملية الترميز هذه محمودة في مجملها أم أنها تحمل في طياتها الكثير من التحيزات الخطيرة التي تهدد مستقبل ثقافة حقوق الإنسان في مصر ما بعد الثورة؟

في هذا المقال التوثيقي التحليلي، أزعم أن هناك خمسة أسباب رئيسية وراء اختلاف قضية خالد سعيد عن غيرها من الانتهاكات وقضايا التعذيب المنهجي المفضي إلى قتل، وأدق ناقوس الخطر من صنع مركزية مضللة حول هذه القضية التي لا ينبغي أن ندركها إلا في ضوء حجمها الطبيعي، وأن ندرك معها تحيزاتنا التي تهدد سلامة منظورنا لحقوق الضعفاء والمهمشين. وسأعرض هذه الأسباب مرتبةً ترتيباً زمنياً حسب وقوعها، محاولا الخروج عن السرد الدرامي السائد وعن الخوض في تفاصيل التفاعلات العاطفية مع ضحية هذه الجريمة البشعة. وأعلم أن الكتابة النقدية لأهواء الجماهير ستفتح باب المزايدة والاتهامات التخوينية، لذا سأحتفظ لنفسي بحق التوضيح الوقائي في طيات المقال.

صورة خالد سعيد الأشهر

السبب الأول: الصــورة

لا يختلف اثنان حول بشاعة المقارنة بين صورة خالد سعيد – رحمه الله – قبل الوفاة وصورته بعدها، وهي الصورة الشهيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام الرقمي وكسبت بها قضيته التعاطف الإنساني والشعبي الواسعين. قصة الصورة بدأت بالمحاولة الحثيثة التي أصر عليها شقيقه أحمد سعيد قاسم لدخول المشرحة، رغم رفض الحراسة الأمنية في البداية بسبب إصرارهم على بعض التعقيدات الروتينية. وفي ساعة متأخرة من الليل، ذهب لمحاولة أخيرة فوجدهم قد ارتكبوا أكبر خطأ، حيث تركوا باب المشرحة دون حراسة، حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل. 

دخل أحمد والتقط بكاميرا هاتفه المحمول الصورة التي انتشرت بعدها على نطاق واسع، خاصة حينما وضعت إلى جوار صورته التي التقطت قبل الحادثة بعدة سنوات. هاتان الصورتان المقارنتان أثارتا تعاطفاً غير مسبوق عجزت معه ألسنة التبرير والتكذيب عن النطق، فالصورة لا تكذب، أو هكذا بدت، في مواجهة بيان الداخلية المكذوب الملفق.


لولا هذه الصورة ما تأثر وائل غنيم ولا انفعل بشدة وربما لم يكن ليقرر أن ينشيء الصفحة الأشهر على فيسبوك “كلنا خالد سعيد” التي كان لها دور كبير في التحريك السياسي، ثم الثوري. وأذكر أني لما هاتفت الشاعر عبد الرحمن يوسف، وقتَ أن كنتُ منسقاً للحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير بالإسكندرية، وكان هو المنسق العام، وناقشته في موقف الحملة من القضية، حيث لم تكن الصورة قد نشرت ولا تفاصيل الواقعة قد عرفت، لم يُبدِ حماسة لتصعيد سياسي أو ميداني مختلف، وذلك لأن كل يوم تقع اعتداءات وتعذيب في أقسام الشرطة يفضي إلى قتل. وكان أمراً مفهوماً جداً وقتها!

 

وإذا أردنا تحليل الصورة بعيداً عن رومانسية كونه شاباً وسيماً في مقتبل العمر رآه الناس واحداً منهم وشعروا تجاهه بالقرابة والصداقة، فيتوجب علينا مواجهة أنفسنا بحقيقة أن كثيراً من التعاطف كان سيخسره الشهيد خالد سعيد لو كان بمظهر مختلف عما ظهر عليه في الجانب الأيمن منها. فصورة خالد تظهره كشاب عشريني، أبيض، وسيم، مهندم، ذو ذوق رفيع في اختيار ملابسه، يتضح عليه أنه “ابن ناس”، وأنه متعلم تعليماً جامعياً (وهو غير صحيح بالمناسبة)، وأنه من أسرة مستورة إن لم تكن ميسورة. وهنا نتساءل حول ما إذا كانت الصورة لرجل أربعيني، داكن البشرة، ملتحٍ، غير مهندم، يلبس زياً شعبياً أو ألواناً فاقعة، ذي ملامح حادة، لا يبدو عليه أثر النعمة ولا اليسار، و”يبدو من صورته” أنه جاهل أو لربما مجرم أو ذو سوابق وأنه ليس “ابن ناس”؟!

(صورة لبعض شهداء ثورة يناير من شارع أبوسليمان بالإسكندرية – المصدر مدونة جدارية)

لم ينشأ تساؤلي من فراغ، فالواقع يشهد بمهزلة شهدتها الكثير من “اللجان” التي تحولت إلى “كمائن شعبية” في فترة حظر التجوال قبيل التنحي. اقتصرت مهمتها على نشر الشائعات، والتضييق على الناس، والاشتباه في بعضهم، والتنكيل بهم، ثم تسليمهم إلى الجيش ليذوقوا مرّ العذاب، لا لشيء سوى أن “ملامحهم يبدو عليها” البلطجة أو السرقة. لقد فضحت صورة خالد سعيد، التي أؤكد أنها لم تلتقط قبيل الحادثة بل قبلها بسنوات، تحيزاتنا وصورنا النمطية عن الناس الذين “يبدو عليهم الإجرام”، وأولئك الذين “يبدو عليهم الاحترام”. وكشفت أحداث الثورة، التي لا تزال جارية حتى الآن، أن هناك صورة ذهنية سائدة عن ملامح “أولاد الناس” الذين يكرمون في وسائل الإعلام، وعن “أولاد الكلب” المتظاهرين من أجل حقوقهم الفئوية أو من أجل تسجيل بلطجيتهم كشهداء.

 

أما الشق الأيسر من الصورة، فيؤسفني أن أصدم المتعاطفين بحقيقتين؛ الأولى أنها صورته بعد التشريح وليس فور الوفاة (لاحظوا أن جثته كانت في المشرحة)، والحقيقة الثانية أن التعذيب قد يكسر الأسنان لكنه لا يحولها إلى صفراء! فما أود أن ألفت الانتباه إليه أن بعض عناصر المقارنة البشعة لم تكن مرتبطة بالتعذيب وحده. وفي تسجيل قصير للشهيد خالد سعيد كان يقوم فيه بإصلاح أو توصيل جهاز إلكتروني (أظنه جهاز استقبال فضائي “ريسيفر”)، ظهرت إحدى ثناياه (الأسنان الأمامية) وهي “مختلفة” عن جارتها، وكان واضحاً أن أسنانه لم تكن بنفس مستوى بياض عينيه. وهنا يظهر أن تعاطف الجماهير ليس مرتبطاً بما هو دقيق أو فادح بقدر ارتباطه بما هو مؤثر أو فاضح. فكثير من قضايا التعذيب الأخرى شهدت فظائع أكثر وضوحاً وأبعد عن الالتباس (كالكي بمواد حارقة أو السحل في الشارع لمئات الأمتار) لكن التعاطف الشعبي مرتهن بما تراه الأعين، حتى لو لم يكن دقيقاً.


(مجموعة صور للشهيد خالد سعيد ابن الطبقة الوسطى)


السبب الثاني: جواز السفر الأمريكي


لا أقصد بعرضي هذا أي نوع من أنواع التخوين المباشر أو غير المباشر، لكني بالفعل أسرد حقيقة أقرّ بها أحمد سعيد قاسم، شقيق خالد، وهي أنه خاض معظم تحركاته نصرةً لحق أخيه من منطلق أنه أمريكي الجنسية. فأول اتصال رسمي يجريه كان بالسفارة الأمريكية بالقاهرة التي أوصلته ببريدجت ووكر، مديرة المركز الثقافي الأمريكي بالإسكندرية وقتها (بدرجة قنصل)، ثم تابعت معه القضية عن كثب. هذه الجنسية الأجنبية، والتي كان المرحوم خالد يسعى للحصول عليها، حققت للقضية مكسبين في غاية الأهمية؛ أولاً: الزخم الحقوقي الدولي الذي كان يمثل عبئاً وضغطاً على النظام، وثانياً: حماية الأسرة من الترهيب والاقتصار على التفاوض والترغيب.

يحكي أحمد أنه استقبل في بيت العائلة العديد من مبعوثي الجهات الأمنية المختلفة الذين حالوا إثناءه عن القضية في مقابل بعض الامتيازات (أو لنقل الرشاوى) التي عرضوها عليه وعلى والدته. وفي هذا السياق لا ينبغي أن ننسى أن الأجهزة الأمنية لجأت إلى إرهاب أصدقاء خالد والشهود على الواقعة، بل تربصت ببعضهم وضربتهم وهددتهم صراحةً بتكرار ما فعلوه مع خالد لو شهدوا ضدهم، وهي السياسة ذاتها التي كانت الشرطة تنتهجها مع عائلات الضحايا الآخرين، الذين لم يحمل أي منهم جنسية أجنبية.

وقبل أن يترجم أحدهم مقالي ليفرح به الأمريكيون ظناً منهم أن حمل جنسية بلدهم كان له دور في القضية الحقوقية الأبرز إعلامياً في مصر، فإن هذه النقطة تحديداً تمثل عاراً على الأمة الأمريكية التي تفرح بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان بفوهات الدبابات وقذائف الطائرات، وكان عليهم أن يجعلوا من إداراتهم الرئاسية المتعاقبة أداة لنشر الاحترام المتبادل وثقافة حقوق الإنسان، لا أن تكون جهة ضغط ورقابة منحازة لمصالحها غير ثابتة على مبدأ.


السبب الثالث: العائلة الكبيرة


لمن لا يعرف عائلة قاسم، هي عائلة عريقة وكبيرة يمتد نسبها إلى الأشراف من نسل فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وسلم، وفرع العائلة الذي ينحدر منه خالد متواجد بمركز إدكو بمحافظة البحيرة (شمال شرقي الإسكندرية). هذه العائلة تضم – فيما تضم – عمه الدكتور علي قاسم، الناشط الوفدي، وقريباً آخر كان عضواً بمجلس الشورى الذي تم حله عقب خلع الفرعون الأخير. وهو ما يعني أن ما حدث لخالد كان يستحيل أن يقع له لو كان في بلدة العائلة، إدكو. ويعني كذلك أن صمود العائلة قانونياً وقضائياً كان سهلاً نسبياً مقارنة بعائلات أخرى فقيرة لا حول لها ولا قوة، ولا عزوة لديها ولا أموال ولا أطيان.

(المرحوم خالد سعيد مع شقيقه وشقيقته)

لا أود الخلوص إلى تعميم مُخلّ، فالحقيقة تشهد لأسر أخرى بسيطة ناضلت من أجل حقوق أبنائها من ضحايا الشرطة حتى حصلت عليها، لكن قضية خالد سعيد كانت مختلفة على المستوى الإعلامي والحقوقي والدولي، مما ترتب عليه ضغوطات شديدة على عائلته التي لم تكن لتصمد لو لم تزخر بسياسيين وذوي نفوذ من الطبقة المتوسطة العليا.


السبب الرابـع: الموقـع الجغرافي

قد يستغرب البعض أهمية هذا العامل في اختلاف قضية خالد سعيد عن غيرها، لكني أراه واحداً من أهم العوامل على الإطلاق. فلو كان النشطاء – جدلاً – قد خططوا لاستدراج النظام للوقوع في عملية انتهاك بشعة لتكون مدخلاً للانتفاضة الشعبية والتظاهر المستمر ضده حتى قيام الثورة، ما كانت أذهانهم ستصل لاختيار مثل هذا الموقع العبقري النموذجي!

يقع منزل خالد سعيد على بعد 30 متراً، أو أقل، من شاطيء كليوباترا، في شارع قصير يصل بين البحر وشارع بورسعيد، أحد أهم شوارع الإسكندرية (يبدأ من مكتبة الإسكندرية ومجمع الكليات النظرية غرباً وينتهي بقيادة المنطقة الشمالية العسكرية وجامع سيدي جابر شرقاً). ومنطقة كليوباترا، رغم رقيها النسبي، فإنها واحدة من أكثر أحياء الإسكندرية حيوية وحركة. وميدان كليوباترا، تقاطع شارع بورسعيد مع شارع مدحت سيف اليزل (خالد سعيد حالياً)، يضم محطة الحافلات (الأتوبيسات) المتجهة إلى العجمي (شمال غربي الإسكندرية)، ويبعد حوالي مائة وخمسين متراً عن ميدان جامع سيدي جابر. 

في البداية، لم يدرك النشطاء هذا الكنز العظيم، وهرع أول مجموعة من المتضامنين بشكل تقليدي مساء الخميس 10 يونيو إلى قسم سيدي جابر (الواقع في شارع أبي قير بمنطقة سبورتنج المزدحمة بالسيارات قليلة الكثافة في المارة والسكان)، والذي يبعد عن منزل خالد سعيد وموقع الحادث ما لا يقل عن ثلاثة كيلومترات متعرجة بين الشوارع الداخلية المتقاطعة مع خطين للترام ثم شارع بورسعيد. كانت هذه أول ردة فعل ميدانية – غير مدروسة – قام بها ما بين عشرة إلى عشرين ناشطاً وناشطة معظمهم من الاشتراكيين الثوريين وحركة “حشد”، حيث كان عددهم أقل من عدد الضباط داخل القسم. وكنتيجة متوقعة، تم التعدي عليهم بالضرب، وبالأخص الناشطة ماهينور المصري التي صفعها لواء شرطة فكسر نظارتها، ويومها تم تلفيق قضية اعتداء بالضرب على ضابط شرطة للناشط حسن مصطفى (تم الحكم عليه فيها فيما بعد بالحبس لمدة شهر). 


 
(بطلة الإسكندرية الثائرة ماهينور المصري)


في التوقيت نفسه كنت أجلس مع علي الرجال وهيثم الحريري ومحمود حمدي لنصوغ يباناً باسم الحملة الشعبية لدعم البرادعي بالإسكندرية نستنكر فيه ما حدث ولنجهز أول فاعلية ميدانية موسعة نخرج بها عن إطار التظاهر على أعتاب الهيئات الحكومية وسلالم النقابات، واتفقنا أن تكون صلاة غائب حاشدة يوم السبت 12 يونيو بعد صلاة الظهر، لأن الوقت كان أضيق من قدرتنا على الحشد الناجح في صلاة الجمعة 11 يونيو، ولأن صلاة الجنازة على الجثمان كان قد تم أداؤها بالفعل. بادر مصطفى النجار بإنشاء حدث/فاعلية (إيفينت) على موقع فيسبوك، واتصل بنا يسألنا عن مكان الصلاة، وكان الملتقى “المسجدي” التقليدي الشائع بالإسكندرية هو جامع القائد إبراهيم (يقع بوسط المدينة على البحر ويتميز باتساع الميدان والشارع أمامه بما يسع مئات الألوف لكنه منعزل عن الشوارع الحية بالمارة والكثافة السكانية حوله قليلة جداً)، وساعتها كان القرار الاستراتيجي بأن تكون صلاة الغائب بمسجد سيدي جابر، أكبر مسجد أمامه ميدان واسع، وقريب جداً من منزل خالد ومن موقع الحادث. ورغم ما حمله هذا القرار من مخاطرة فقدان عدد لا بأس به ممن يتحرجون من الصلاة بالمساجد التي تضم أو يرفق بها أضرحة، إلا أننا وجدناه مكاناً مثالياً لكل وسائل الإعلام القادمة من القاهرة، حيث لا يبعد جامع سيدي جابر عن محطة القطار سوى مائة وخمسين متراً. ومن مزايا ميدانه أن العدد الصغير فيه يظهر كأنه حشد، وأن الأعداد الغفيرة يمكن استيعابها في امتدادات الميدان في الشوارع المحيطة. 

يوم الجمعة، انطلق شباب الحركات والأحزاب الأخرى، مثل 6 أبريل وحزبي الغد والجبهة الديمقراطية، ميدانياً لتوزيع المنشورات الداعية إلى المشاركة في الحدث، وبالأخص في الشارع الذي قتل فيه خالد سعيد وحوله. فلما اقتربنا بالفاعلية من الناس ودعوناهم في الشارع بأوراق يمسكونها بأيديهم – ولم نكتفِ بفيسبوك الافتراضي غير الملموس – احتشد مئات الناس في صلاة الغائب التي أمّنا فيها صابر أبو الفتوح، نائب الإخوان في البرلمان وقتها، حيث كنا قد نسقنا مع الإخوان، عبر زميلنا الناشط الإخواني حسام الوكيل، أن يدعموا الفاعلية بعدد محدود من الرموز ومن المشاركين. 

حينما نجحت هذه الفاعلية وجدنا أنفسنا مدفوعين إلى تظاهرة أخرى في اليوم التالي لم نكن قد رتبنا لها، فانطلقنا إلى مقر حزب الغد بجناكليس – كممثلين لحركات وقوى سياسية مختلفة – واجتمعنا لنتفق على بعض النقاط الخاصة بالتظاهرة التالية (يوم الأحد 13 يونيو)، حتى وصلنا إلى مناقشة المكان، فوفقنا الله إلى القرار الاستراتيجي الثاني، وهو أن نقيم التظاهرة في ميدان كليوباترا وسط الناس وبالقرب من موقع الحادث، وهو ما مثل نقلة نوعية خطيرة تحول فيها النشطاء إلى أقلية قليلة وسط جموع غفيرة من الناس العاديين غير المسيسين.

أما النقلة النوعية الأكبر، وهي تعبئة الألوف من المتضامنين مع الحشد الإعلامي العالمي والمحلي غير المسبوق كان بزيارة الدكتور البرادعي التضامنية التي انضم إليه فيها أغلب رموز التيارات والحركات السياسية المختلفة. وحينما حاول بعضهم استباق تحديد مكان الفاعلية والإعلان عن عقدها في المكان المألوف المتكرر – جامع القائد إبراهيم – اختارت حملة دعم البرادعي جامع سيدي جابر مجدداً ليذهب إليه البرادعي سيراً على الأقدام بعد زيارة عزاء وتضامن سريعة لمنزل أسرة خالد سعيد قبيل صلاة الجمعة. وهي الجمعة نفسها التي أطلقت صفحة “كلنا خالد سعيد” من أجلها النداء الثاني لوقفة صامتة بالملابس السوداء على امتداد الكورنيش بالإسكندرية وأغلب محافظات مصر. 

وبتتابع الفاعليات اكتشف النشطاء والناس العاديون أن التضامن مع خالد سعيد، سواءً تحت منزله أم أمام شارعه على الكورنيش، أمر سهل ولطيف، ويمكن أن يسافروا له خصيصاً من محافظات مختلفة، فهو لا يخلو من “فسحة” و”تمشية على البحر”، حتى لو كانت ممزوجة بغضب أو حزن.

(جانب من زيارة البرادعي يوم 25 يونيو يظهر فيها معه كل من النائب الإخواني صابر أبوالفتوح وكاتب هذه السطور)

ما أود أن أشير إليه هنا هو أن هناك الآلاف من الضحايا والشهداء الذين لم يسكنوا قرب البحر والقطار والمسجد الكبير والميدان المناسب لإقامة الفاعليات الناجحة إعلامياً وجماهيرياً. وأن كثيراً من الانتهاكات لم توثق ولم تسجل بسبب بُعد مواقعها عن مجال حركة النشطاء والإعلاميين والحقوقيين، ولربما كانت قريبة لكنها في مناطق شعبية “خطيرة”؛ تلك التي يسكن فيها من “يبدو على ملامحهم” البلطجة والإجرام، الذين هم بالتأكيد ليسوا من العائلات العريقة التي يمكن أن تدافع عنهم، ولا يحمل أحد من أقاربهم الجنسية الأمريكية.

السبب الخامس: الزمــان

أزعم أن حادثة خالد سعيد لو كانت قد وقعت قبلها بشهر، أي أثناء انشغال الطلاب والعائلات بامتحانات نهاية العام في شهر مايو، لكان المشهد قد اختلف جوهرياً، فلا ينبغي أن ننسى أن نسبة كبيرة من النشطاء وقتها كانوا طلبة جامعات. والزعم نفسه أسوقه لو كانت الحادثة قد وقعت في ليالي الشتاء القارصة. أظن أن هناك توفيقاً قَدَرياً كبيراً في اختيار زمن وقوع الجريمة كان أحد عوامل اختلاف نتائجها عما سبقها وتلاها من جرائم مشابهة. 


وفي الحقيقة، فإن كثيراً من القضايا الحقوقية المهمة قد ماتت بسبب أمور متعلقة بالتوقيت، ومنها على سبيل المثال اقترابها أو وقوعها في الأعياد أو المواسم (كرمضان، والمصايف، والامتحانات)، سواءً كانت هذه القضايا متعلقة بحقوق شخصية أم مدنية وسياسية أم اقتصادية واجتماعية.


الخلاصــة


خالد سعيد شاب مصري عادي جداً، لا يتميز إلا بكونه عادياً وغير مميز. ومهما كان نوع الدخان الذي كان يخترق رئتيه، كما يشهد بذلك جيرانه، فإنه نفس الدخان الذي يتعاطاه الكثير جداً من ضباط الشرطة، ومن الأطباء والمهندسين والمعلمين والصحفيين والمحامين، وكثير من الطلاب والعمال والعاطلين عن العمل، وهو لا يبرر إطلاقاً الجريمة التي وقعت معه. ولذلك كنت منخرطاً في الدفاع عن قضيته عن اقتناع وإيمان، رغم يقيني أنه لم يكن ناشطاً ولا مناضلاً، وأن مقطع الفيديو الذي قيل إنه كان ينوي نشره لا يحمل دليل إدانة لضباط القسم، فضلاً عن تشكيكي في هذه الرواية من الأساس (بعد أن راجعت نفسي في موقفي المبدئي منها).

وبغض النظر عن صحة الصورة الملائكية لخالد سعيد التي ارتسمت في أذهان الكثير من الشباب والفتيات، فإني أحذر كل المتضامنين مع قضية خالد سعيد من الوقوع في فخي الاختزال والاستسهال. أما الاختزال فهو أن نرى في خالد سعيد رمزاً مركزياً لكل جرائم النظام ولكل ضحاياه، فإذا وقع القصاص ارتاحت النفوس وكأنه رد لحقوق كل الضحايا. وأما الاستسهال فهو أن تتحول قضية خالد سعيد إلى ملاذ تضامني نهرب به من مواجهة أنفسنا بالتقصير في حق ضحايا كثيرين تكلفنا نصرتهم فتح ملفات شائكة، والنظر في وجوه غير وسيمة ترتدي ملابس غير أنيقة، وقد تضطرنا إلى الانتقال إلى مناطق نائية وشعبية، والتعامل مع عائلات غير عريقة، لا يحمل أفرادها سوى الجنسية المصرية، فلا يظهر المتضامنون في وسائل الإعلام العالمية، خاصة أن تضامنهم قد يكون مطلوباً في أوقات غير مواتية وفي ظروف عصيبة.

ورغم تأجيل جلسة الحكم في القضية استجابة لطلب محامي عائلة خالد سعيد بتشكيل لجنة طبية جديدة، وهو ما قد يغير من أساس القضية ومن طبيعة الاتهامات التي توقعت في ضوئها سابقاً أنيكون الحكم في حدود 7 سنوات من الشغل والنفاذ، إلا أن الرؤية السليمة للموضوع بحجمه الطبيعي في السياق العام – قبل الثورة وبعدها – يفرض علينا أن نترك القضاء يأخذ مجراه وأن نوجه ضغوطنا الحقوقية والإعلامية لمن هو أحق منها الآن.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: