قراءة نقدية لوثيقـة الأزهـر الثـورية

إعلان وثيقة الأزهر

قراءة نقدية لوثيقـة الأزهـر الثـورية

 

إسماعيل الإسكندراني – كتب في 18 يوليو 2011

 في تسجيل لإحدى حلقات برنامج “حوارات الإسكندرية” الذي تنتجه وتبثه شبكة بي بي سي، استضافت مكتبة الإسكندرية منصة رباعية ضمت كلاً من الدكتور إبراهيم البيومي غانم، أستاذ العلوم السياسية، والدكتور خالد عزب، مدير إدارة الإعلام بالمكتبة، والدكتور رياض الصيداوي، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجينيف، وكاتب هذه السطور، بصفتي باحثاً في علم الاجتماع السياسي. كان موضوع الحلقة مناقشة وثيقة الأزهر التي أصدرت بتعاون بين علمائه وعدد من المثقفين والمفكرين مختلفي المشارب. وفي الوقت الذي رحب المتحدثون الثلاثة فيه بالوثيقة وأشادوا بها كانت مساهمتي معهم نقدية للوثيقة – رغم إعلاني أن بها بعض الجوانب المشرقة. ومن بين عشرات الملاحظات والانتقادات والاستيضاحات، أكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

 

1-   الوثيقة للطمأنة أكثر منها للتوافق. فهي تعاملت مع “الديمقراطية” و”التحول الديمقراطي” كمسلّمة حتمية، متجاهلة بذلك بعض الأصوات الإسلامية التي ترفض المصطلح ذاته وتحرّمه لأسباب معرفية (إبستمولوجية). كان من المتوقع أن يتوجه الأزهر بخطابه نحو هؤلاء الشوارد ليحتوي فهمهم الحرفي للشورى، لكن الوثيقة لم تكن موجهة من الأساس إلا إلى أصحاب الأصوات الأعلى إعلامياً.

2-   الوثيقة مركزية لا تخلو من التهميش والإقصاء. فحينما تؤكد أن “القانون – والقانون وحده – ” هو وسيلة إدارة شؤون البلاد تكون بذلك أغفلت أن العرف هو الذي يحكم قطاعات جغرافية وسكانية تصل لما يتجاوز ثلث مصر والمصريين، فضلاً عن كون العرف أحد مصادر التشريع الإسلامي، وهو ما يتطلب حلولاً واقعية تدريجية بافتراض أن المطلوب هو إلغاء الاحتكام إلى العرف. كما تؤكد الوثيقة على ارتكازها على البعد الفقهي في إحياء علوم الدين وتجديدها طبقاً لمذهب “أهل السنة والجماعة”، وتشدد على الاحترام الكامل لدور العبادة “لأتباع الديانات السماوية الثلاث”، وهو ما يفتح باب الجدل والاستيضاح عن موقف الأزهر من الشيعة المصريين – حتى لو كانوا أقلية قليلة – وكذلك المؤمنين بديانات غير إبراهيمية.

3-   تحدثت الوثيقة بلغة القصر والحصر عن أن مضمونها يعبر عن “الفهم الصحيح” للإسلام (بـ “ال” التعريف)، وأنه مستمد من “النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة”، في حين أنها تنص على اجتهادات وقتية لا تعبر بالضرورة عن مقصد الشريعة في كل مكان وزمان (مثل: الانتخاب الحر المباشر).

4-   ناورت الوثيقة حول مصطلح “الدولة المدنية” واستبدلته بالدولة “الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة”، وهي صيغة أسيرة إنتاج معرفي وحضاري غير أصيل عربياً وإسلامياً، خاصة فيما يخص الدولة الوطنية National State والدولة الحديثة Modern State. وإذا أضفنا إلى هذه الصيغة الكثير من القوالب اللفظية (الإكليشيهات) المترددة في طيات الوثيقة؛ مثل: “الدولة العصرية المنشودة”، و”الانطلاق نحو التقدم الحضاري”، و”دخول عصر إنتاج المعرفة والعلم”، و”توفير الرخاء والسلم”، و”التحول الديمقراطي”، إلخ، وجدنا الصياغة تابعة لأدبيات سائدة لا لتأصيل معرفي نقدي نابع من الأزهر نفسه. فالتباهي بانفتاح الإمام الأكبر أحمد الطيب لأنه حصل على الدكتوراة من السربون يعبر عن قدر هائل من اهتزاز الثقة بالأزهر كمرجعية مستقلة – ولا أقول “إحساساً بالدونية”. وكان حرياً بوثيقة نابعة من الأزهر – بجلالة قدره – أن تضرب صياغتها ومفرداتها بجذور أعمق في الأصالة والتجديد المستقل.

5-   انتقت الوثيقة أمثلة لبعض علماء الأزهر التجديديين وأغفلت أهمهم على الإطلاق فيما يخص موضوع الوثيقة، وهو العلامة محمد الغزالي، الذي كان أول من كتب (عام 1949) في كتابه “الإسلام والاستبداد السياسي” أن “الأمة مصدر السلطات”، وهو الذي اقتبس في كتابه المذكور من كلام الأستاذ محمد فريد وجدي إشادةً بما انتهجته الأمة التركية – ممثلة في مجلسها النيابي – من الحفاظ على حرية الضمائر بحظر قوامة رجال الدين على ضمائر الناس والاستبداد بحق التوجيه الروحي لهم. أما الوثيقة فقد افترضت أن المباديء الإسلامية قد استقرت في وعي الأمة و”ضمير العلماء والمفكرين”، مما يلمّح إلى وصاية لا تزال مستبطنة في نظرة علماء الأزهر إلى المجتمع المسلم. بالإضافة إلى تصريح واضح في آخر بنود الوثيقة إلى مركزية الأزهر كمرجعية إسلامية شاملة – أو شمولية!

 ورغم الكثير من الملاحظات النقدية الأخرى موضوعياً وشكلياً، إلا أن الوثيقة يحسب لها – فيما يحسب – أنها أغفلت تماماً ذكر العسكر وهو ما لم يكن أبداً ستسلم من فخاخه إذا تعرضت له، كما اعتمدت الكثير من الصياغات الذكية التي لا تخلو من الإبهام؛ مثل “تأكيد الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية”، دون الخوض في تفاصيل جدلية، كما طرحت مبادرة لاستقلال الأزهر واختيار شيخ الأزهر بالانتخاب، ودعت إلى الحفاظ على البيئة والوفاق حول المشتركات الإنسانية والوطنية.

 للاطلاع على نص الوثيقة (اضغط هنا)

لمشاهدة الحلقة كاملة:

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: