ما بعد الإسلاموية والعلمانية الجزئية||Post-islamism and Partial Secularism


مقال كتبته يوم 24 أبريل استجابة لرغبة بعض الأصدقاء بعدما أعجبهم طرحي عن “ما بعد الإسلاموية”، وقد نشرته على كل من مدونة إسكندراني مصري وصفحتي على فيسبوك، وأعيد نشره على صالون الإسكندرية

© Reuters مشاركة نسائية ميدانية واضحة في الثورة المصرية

السياق التاريخي

بعدما انهار الحلم القومي العربي في حرب الأيام الستة، أو هزيمة 1967 النكراء، تعطشت الجماهير لما يصلح القطيعة التي حدثت بينها وبين تدينها المعهود منذ عشرات القرون إبّان حكم عبد الناصر. ومع الشعور بالتقصير الديني والحاجة إلى التوبة، تعاطف المصريون مع الفصيل السياسي الذي كان يمثل “التدين الاجتماعي الإصلاحي”، وهم الإخوان المسلمون، بما يمثلونه من مفهوم “الإسلاموية الكلاسيكية” Classic Islamism. 

فلم يكن انتشار التيار الإسلامي واكتساحه لكل ما يتعارض مع تدين المجتمع مرهونا بالمواءمة السياسية التي لعبها السادات إزاء الشيوعيين، لأن السادات نفسه قد حنّ في أزمة الاحتلال الإسرائيلي إلى تدينه القديم (راجع مذكراته في السجن أيام الملكية وقبل تكوين الضباط الأحرار – متحف السادات بمكتبة الإسكندرية)، ولم يكن شعار “دولة العلم والإيمان” وليد صدفة، ذلك لأن الذي لا يعرفه كثيرون هو أن خطة عبور القناة حين تزامن البحث عن اسم لها مع رفع أذان الظهر سماها خطة “المآذن العالية”..

المهم أن المجتمع ككل كان مهيئا تماما للاستجابة الواسعة لكل من يمثل لديه قيمة التصالح مع تدينه الفطري والموروث. في هذا الوقت كان الاستقطاب حادا في عالم الأفكار والأيديولوجيات، وكانت العلمانية تعبر عن نفسها بوضوح في مقابل التدين..

اقترن التدين بالمشروع الإسلاموي السياسي بمفهومه الكلاسيكي، الداعي إلى نهضة الأمة بالمنهج الإسلامي الشامل لكافة مناحي الحياة، وتحكيم الشريعة الإسلامية وتطبيقها. وتعاطفت الجماهير مع هذه الوصفة المثالية التي تجمع بين صلاح الدنيا وفلاح الآخرة .. وانتشر التيار الذي سمي فيما بعد بـ “الإسلام السياسي”..

بعيدا عن الدخول في استطرادات الآن حول إسقاط وهم المبالغة في وصف تأثير “الخليج وبتروله” على الحالة الدينية والاجتماعية في مصر، بل إثبات أن جنوح التدين في مصر كان “أصيلا” جدا بشهادة رواد الحركة الإسلامية في السبعينات الذين لم يذهبوا إلى الخليج إلا حجاجا أو معتمرين (لعلي أفرد لهذا الموضوع المهم مقالا خاصا) .. ما يهمنا الآن أن التمدد الإسلاموي استمر وتوغل وانتشر…


لماذا أقول “إسلاموي” ولا أقول “إسلامي”؟

أعرف أنها ليست سليمة تماماً من حيث اللغة، ولكنها محاولة للتفرقة المعرفية المهمة بين ما هو islamist وما هو islamic..

فالإسلامي نسبة إلى ما هو عقائدي وتعبدي (إيمان وشعائر)، أما “الإسلاموي” فهو تعبير عما هو فكري وأيديولوجي. أي أنه “فهم الأشخاص والجماعات” لمنهج الإسلام في الحياة..


ماذا حدث للإسلاموية؟

طال العهد يا ولدي! أو قل: طريقك مسدود مسدود مسدوووووود

هكذا كان مآل حال كافة التيارات الإسلاموية، ليس فقط في مصر والعالم العربي، بل أيضا في تركيا. فما بين فشل اجتماعي وسياسي، وبين قمع بوليسي وعسكري، لم تنجح كافة أذرع التيار الإسلاموي الكلاسيكي في إنهاض الأمة كما تصبو وتشتهي. ووصل الأمر إلى حالة انسداد في الأفق وانغلاق شبه تام في الفرص..

أعود لأؤكد أهمية دراسة فشل المشروع الإسلاموي على مدار أربعة عقود في تحقيق النجاح السياسي أو التغيير الاجتماعي للأفضل، ورغم أن هذا ليس مجالها ولا سياقها الأنسب، إلا إنني أكتفي بالإشارة السريعة إلى أهم أسباب فشل الإسلاموية؛ وهي:

1- الخطاب التصادمي

(مع المجتمع وفنونه وآدابه وثقافته الشعبية – مع الأقليات العددية من غير المسلمين – مع الحقوقيين – مع العلمانيين – مع الغرب – مع طوب الأرض).

2- البحث الدائم عن “ماذا” و”لماذا”، مع التجاهل العجيب لـ “كيف”.
.
3- المراهقة السياسية والاجتماعية التي أدت إلى ترسيخ القطيعة والاستقطاب بين فئات المجتمع وفقاً للإصرار على الاعتزاز بهوية فرعية، غالبا ما تكون مفتعلة في مجتمعات متدينة بفطرتها.

بالطبع كان هناك استثناءات من هذه الأعراض، لكنها إما استثناءات في أوقات قليلة أو في أماكن نادرة.

الخلاصة..

لا أمل في التغيير الإسلاموي الكلاسيكي في المنطقة (يسميها آصف بايات “الشرق الأوسط المسلم” ليقصد بها المنطقة العربية مضافاً إليها إيران وتركيا مستثنيا “إسرائيل”) .. ومن هنا ظهرت “ما بعد الإسلاموية”


ما بعد الإسلاموية Post-islamism

من رحم  التيار الإسلاموي الكلاسيكي ظهرت ما يمكن أن نسميه “المراجعات الفكرية الحرة”، التي تختلف تماما عن “مراجعات السجون” التي قام بها جماعات العنف المسلح تحت وطأة الاعتقال. لكنها تتفق في أن نتاجها هو تغير كبير وجوهري في المنهج الحركي، بل تزيد المراجعات الحرة عن مراجعات السجون في تغيير الاستراتيجيات والخطاب..


ما بعد الإسلاموية

هي تلك الحالة – وليست الأيديولوجيا – التي يتحقق فيها ركنان وضعهما آصف بايات، وأضيف إليهما ركنا ثالثا:

1- التصالح مع تدين المجتمع

(إقامة الشعائر علانية – بث الأذان في التلفاز – مراعاة المواسم الدينية في التخطيط الحكومي …)

2- تبني آليات حكم وإدارة مدنية ديمقراطية

يسميها بعض الغربيين “الحداثة البديلة” Alternative Modernity، وقد وضع فيها المفكر الكبير د. عبد الوهاب المسيري نظريته العبقرية “العلمانية الجزئية”، ويضرب على ذلك مثالا ببناء مسجد؛ أيهما أهم أن يشترط في الباني، أن يكون متدينا محافظا على صلاته أم أن يكون ماهرا متقنا لعمله؟

ينحاز الاختيار السليم للمهارة والإتقان تجنبا للكارثة التي قد تقع بالمصلين لو بنى مسجدهم أفضلهم في الصلاة دون أن يكون على دراية بفنون البناء..

هنا تم الفصل بين تدين الشخص وبين أدائه الفني والتقني، أو تمت التفرقة بين القيمة المطلقة وبين ما هو زماني ومكاني. وبالتالي فما يهمنا في الموظف العام كفاءته الإدارية وسلوكه الاجتماعي العام، ولا يضيرنا أن يكون سكيرا أو متعاطيا للمخدرات خارج عمله بما لا يؤثر على جودة إنتاجه ..

وأضيف إلى ركني آصف بايات – الذَيْن اتفقا مع نظرية المسيري – ركنا ثالثا هو:

3- عدم استخدام خطاب ديني في القضايا السياسية والاجتماعية العامة

وهو ما جسده حزب العدالة والتنمية التركي في تصديه لانتشار الدعارة. فلم يدخل في حرب عناوين مزعجة لعلمانية الدولة مثل شعارات “محاربة الرذيلة” و”نشر الفضيلة“، بل تعاطى مع الأمر من باب الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة، فكانت النتيجة مبهرة، دون صدامات ومعارك جانبية..

المهم أن المجتمع التركي يعي جيدا أن هذه الإجراءات والتقنينات الصحية والاجتماعية إنما تنبع من تكوين إسلامي أصيل في أشخاص القائمين على الحزب الحاكم، لكن ساحة المعركة لم تكن دينية-علمانية، بل قانونية فنية حقوقية اجتماعية.


الثورة المصرية تجسيد لما بعد الإسلاموية

الجماهير التي أقامت الصلوات في جماعة ثم رقصت وقت الفرحة تجسد ما بعد الإسلاموية.

غير المصلين الذين حموا المصلين ولم يتأففوا من رفع الأذان في مكبرات الصوت في المظاهرات، والمتدينون الذين لم ينكروا على غير المصلين ولا المدخنين ولا الذين رقصوا وقت الفرحة، كلها شواهد على ما بعد الإسلاموية التي تعم مصر كحالة.

احتفالات يوم التنحي

الليبرالي الذي يسجد لله شكراً فرحاً بتحقيق النجاح في الأيام الأولى من المسيرات أو عند خبر تخلي مبارك عن السلطة، والاشتراكي الثوري الذي يطلب في المعتقل طلبين اثنين، أحدهما مصحف، هما في الحقيقة بعد إسلامويين متصالحان مع فكرة التدين والعلاقة بالخالق الغيبي رغم انخراطهما في العمل السياسي المدني. الفارق الوحيد في حالتيهما أنهما وصلا إلى بعد الإسلاموية قادمين من الأيديولوجيات غير الإسلاموية، فلم يتطورا من إسلاموية كلاسيكية، بل انضما بخلفيتيهما الليبرالية واليسارية.

هذه الثورة قامت بتغذيتها تجمعات المسلمين – بصفتهم الأغلبية العددية – في صلواتهم المختلفة، فكانت الجمعة منطلقاً أسبوعياً أساسياً في أنحاء مصر (الشهداء – الرحيل – التنحي – الانتصار)، وكان الظهر والعصر نقطتي التقاء واندلاع يوميين بالإسكندرية طيلة الثمانية عشر يوماً، لاسيما عند جامع القائد إبراهيم. لكن هذه الجموع “المتوضئة” رفضت سيطرة الإخوان المسلمين (وهم النموذج الإسلاموي الكلاسيكي الأبرز في مصر) على الهتاف وعلى تسيير أمور المسيرات والاعتصامات، وكان بينها اتفاق على رفض حكم الإخوان أو أغلبيتهم البرلمانية.

بثينة كامل تجلس وسط رجل العشائر والقبائل تستمع لشكاواهم قبل أن تعلن عزمها الترشح لرئاسة الجمهورية في مؤتمر القبائل والعشائر السيناوية في رفح – 20 أبريل 2011

وأضيف إلى ذلك المشاركة النسائية العريضة التي قوبلت بالترحاب، سواء أيام الثورة الأولى أو بعدها، كلها تؤكد على اختلاف موقف المجتمع من المرأة عن موقف الإسلاموية الكلاسيكية، لكن دون تخلي عن ثوابت التدين والضوابط الاجتماعية.

الناشطة السيناوية منى برهومة تتحدث في مؤتمر القبائل والعشائر السيناوية في حضور ذكوري طاغ وقد قوبلت بترحاب وتصفيق – تصوير إسماعيل الإسكندراني

الفرق بين ما بعد الإسلاموية في مصر وتركيا

هو نفس الفرق بين تماسك المؤسسات التركية وبين انسيابية وسيولة الثورة المصرية. ولا أظن أننا بحاجة إلى التأكيد أن ثورة مصر لم يكن لها أبدا أن تقوم لو انتظرت المؤسسة والمأسسة، ذلك لأن النظام المخلوع كان مقوضا لكافة أشكال العمل المؤسسي السليم – بخلاف تركيا، دولة المؤسسات التي حافظت على الأوقاف الإسلامية كمؤسسات رغم العلمانية المتطرفة.

إذن فهي ليست مفاضلة، لأن لكل مجتمع ما يناسبه، وإنما محاولة لفهم أوجه الاختلاف. فما بعد الإسلاموية في تركيا (كنموذج ناجح تخطى من سبقه تاريخيا في المغرب ولبنان وإيران) قائمة بمؤسسة حزبية قوية ذات تعبئة جماهيرية وحضور شعبي ملتف حولها. أما في مصر فهي تمثل الأغلبية التي لا يمثلها الإسلاميون الكلاسيكيون كما لا يمثلها – بكل تأكيد – العلمانيون الليبراليون أو اليساريون.


رأيي الشخصي:

مصر تعوم في بركة من ما بعد الإسلاموية تنتظر عود ثقاب ليكتسح من يعبر عن الحالة المصرية الحقيقة كل الكلاسيكيين. 

فقط أذكركم أن الثلاثي التركي (عبد الله جول ورجب طيب أردوجان وأحمد داوود أوجلو) قد زاروا مصر عام 2001 قاصدين المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وقتها، الأستاذ مصطفى مشهور، وذلك سعيا منهم لرأب الصدع بينهم وبين زعيم حزب الرفاه وقتها، نجم الدين أربكان – رحمه الله، فرفض المرشد مقابلتهم طيلة أسبوعين حتى يجلسوا إلى “أستاذهم” أولاً. فما كان منهم إلا أن قرروا الانفصال وتأسيس حزب جديد (العدالة والتنمية)، فأسسوا الحزب في 2001 ووصلوا إلى سدة الحكم في 2002 حتى الآن!!


لذا أقول:

لو أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ترشح للرئاسة بحملة انتخابية في نصف كفاءة حملة البرادعي وبربع تمويل حملة عمرو موسى سيحصد الأصوات حصدا قد يغنيه عن الإعادة مع أي منهما. ولو قام حزب حقيقي ذو رؤية متماسكة وكوادر قوية ليعبر عن “ما بعد الإسلاموية”، فإني أزعم أنه سيكون الحزب الحاكم في فترة قياسية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: