عشرة أوهام أسقطتها ثورة 25 يناير (1-5)


ورقة مشاركة في سيمينار

“أوهام حطمتها الثورة وأوهام خلقتها الثورة”

المنتدى الفكري الأدبي بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية

أقيم يوم الخميس 3 مارس 2011 سيمينار بعنوان “أوهام حطمته االثورة وأوهام خلقتها الثورة”، حيث قدمت ورقتي المعنونة “عشرة أوهام أسقطتها ثورة 25 يناير”. وقد عرض موقع مدارك ملخصاً لها. وعلى صفحة الصالون يسعدني عرضها بالكامل على حلقتين تجنباً للإطالة.

مقدمة

من بين ما أثمرته ثورة الشعب المصري التي اندلعت شرارتها ظهر الثلاثاء 25 يناير، أن أوهاماً كثيرة ترددت قبل هذا التاريخ لم تمر أيام قليلة حتى تبددت وانفضح زيفها. ورغم تراكم هذه الأوهام عبر السنين، سواء بشكل مؤسسي أو بطريقة عفوية إلا أن اللافت للنظر أن كل ما كان يساق من دلائل على أن تلك الأوهام “حقائق” و”أمر واقع” أثبت فعلاً أن هناك حقاً كثيراً ما أريدَ به باطل.

والأوهام المتبددة لم تكن مجرد انطباع ساد في وسط معين من شرائح المجتمع المصري، بل كانت أعمق من ذلك وأرسخ، فمن تلك الأوهام ما عرض في أوراق بحثية وتم التدليل عليه بشكل أكاديمي ومنهجي، ومنها ما روجه المنتسبون لما يسمى “النخبة المثقفة” سواء بالنشر أو التربية الفكرية لمن يحترفون الإعلام وتكوين ثقافة الجماهير، ومنها ما تم التواطؤ على بثه وترويجه وتدعيمه بوسائل التنشئة الاجتماعية والثقافية المختلفة، لعل من أهمها “النكتة” التي أعتبرها مرآة ثقافية يتميز بها الشعب المصري ويتداولها كعملة في السوق الفكري الاجتماعي، ومنها ما كان من المسلمات و”الحقائق”.

في هذه الورقة أعرض أهم الأوهام التي كانت سائدة ثم صارت بائدة بفضل ثورة 25 يناير، سواء على المستوى الثقافي أم الفكري والاجتماعي والأكاديمي، وحتى الأمني.


الوهم الأول: المباركة الأجنبية شرط التغيير في مصر

أثبتت الثورة المصرية، ومن قبلها التونسية، أن التغيير الشعبي لا يحتاج إذناً ولا تصريحاً من أية سفارة، بل يفرض نفسه على الأجانب فينصحون مواطنيهم بعدم السفر ثم يتم إجلاء المقيمين ببلادنا والزوار، ثم ينسحب أغلب البعثة الدبلوماسية على دفعتين، ولا يبقى إلا السفير والجواسيس.

رد الشعب ادعاء مصطفى الفقي في نحره حينما تحدث عن ضرورة الموافقة الأمريكية والرضا الإسرائيلي عن رئيس مصر القادم، بشكل يهين مصر والمصريين والعرب جميعاً. وكذّب عجز أنور السادات الذي بدأ في السبعينات ترسيخ الانبطاح للولايات المتحدة بإقراره أنها تستحوذ على أغلب أوراق اللعبة، ثم سار على نهجه نائبه بعدما أصبح رئيساً وأسس نظاماً اجتماعياً وسياسياً يقدس البيت الأبيض ويؤله ساكنه.

رأينا تخاذل الموقف الغربي عن نصرة قيم الديمقراطية والانتصار لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار حكامها ومحاسبة المجرمين في حق الإنسانية، بل الأهم من ذلك أن تذبذب موقف الولايات المتحدة كان تبعاً لموجات الحراك في الشارع المصري، لا العكس. وقد أسفرت الثورة – فيما حققت من إنجازات – عن وضع تأثير الخارج على الداخل في حجمه الطبيعي بلا تهوين ولا تهويل.


الوهم الثاني: غياب البديل السياسي هو السبب في تأخير التغيير

لطالما انتشرت في الأدبيات الأكاديمية والفكرية منذ 2005 نظرة تشاؤمية لمستقبل مصر واحتمالية التغيير السياسي الديمقراطي فيها، وذلك بعد فوز جماعة الإخوان المسلمين بخمس مقاعد البرلمان وظهور الاستقطاب بين الحزب الوطني وبين الجماعة وكأن لا ثالث لهما. كتبت في هذا الشأن مئات المقالات الصحفية وحررت عشرات البحوث الأكاديمية، فضلاً عن عدد لا حصر له من ساعات البث التليفزيوني التي خصصت للندب واللطم على المستقبل المظلم للتغيير في مصر في ظل هذا الاستقطاب.

ومن بين أكاديميين كثيرين، تميز عمرو حمزاوي وميشيل دان، من معهد كارنيجي للسلام، بغزارة كتاباتهم في هذا الاتجاه. وفاتهم – كما فات كل أنصار الأكاديميا الكلاسيكية ونظريات الحركات الاجتماعية الجديدة (المدرسة الأوروبية) والأمريكية – أن خصوصية المجتمع المصري عن غيره من المجتمعات، كتلك التي نشأت النظريات التي يتبنونها وترعرعت فيها، أنتجت أشكالاً تحتية من الحراك والنشاط خارج الأطر والمؤسسات السياسية التقليدية راكمت من تأثيرها وخبراتها الجمعية بما أدّى في النهاية إلى ثورة شعبية عارمة، تحققت فيها السلمية والديمقراطية وقمة الرقي والتحضر.


الوهم الثالث: الشعب المصري لن يثور ..

والإصلاح أنسب للثقافة والشخصية المصرية

من بين الأوهام التي كانت من المسلمات أن المصريين اعتادوا على الفرعنة، وأنهم لن يثوروا لأن ذلك “منافٍ لطبعهم واستعداداتهم”. كتب عن هذا بعض الباحثين المشهورين، بل ذهب أحدهم إلى عقد مقارنة فجة بين الشعب المصري والشعب التونسي، وكانت النتيجة المنطقية لمقاله المعنون “مصر ليست تونس” أن الشعب التونسي ثار لأنه أفضل “لأسباب موضوعية” من الشعب المصري[1]!

لم يكن هذا الوهم ومشتقاته سائدة فقط في أوساط ما يسمون “النخبة”، بل كان هذا الادّعاء ذا شعبية جماهيرية عريضة، كثيراً ما اقترنت من تقليل مردده من شأن الشعب المصري وإهانته له (وكأن القائل ليس من الشعب المصري). وأظن أن التراكم النفسي الذي تكون عند من آمن بهذا الوهم قد ولّد رغبة قوية في كسر هذه الصورة السلبية وتغييرها، خاصة مع زيادة الظلم والقمع المهين في كافة قطاعات الحياة وفي ممارسات الحياة اليومية.

لقد وصلت القناعة بالعجز عن الثورة والتغيير الجذري إلى أعماق نفوس السياسيين ومن يسمون بالنخبة، لدرجة أن نتيجة الانتخابات غير المشكوك في سلامتها في بعض القطاعات الاجتماعية (مثل نقابتي الصحفيين والمحامين) أو حتى داخل أحزاب وحركات المعارضة السياسية (كالإخوان والوفد) إلى إفراز قيادات تتوافق مع النظام الاجتماعي العام بطبيعته الراكدة الآسنة.

لقد كان المجتمع المصري متواطئاً فعلاً على إبقاء الوضع كما هو عليه لأنه آمن بهذا الوهم دهراً، وما حدثت الثورة إلا بعد أن تبدد الوهم في نفوس من آمنوا به بعد أيام قليلة من اندلاع أولى مظاهراتها.

ناهيك طبعاً عن سقوط أوهام فرعية كثيرة متعلقة بثقافة المصريين “النافرة من العمل الجماعي”، و”عدوة احترام النظام العام”، و”الهمجية والغوغائية” .. إلخ.


الوهم الرابع: الأمية وقلة الوعي الجماهيري تجهض محاولات التغيير

ما بين نظام جاري خلعه كان مستفيداً من انتشار الأمية ومرحباً ببقائها، وبين مزايدات حملة الدكتوراة والماجيستير على وعي الأغلبية العظمى من الشعب المصري “الفقير” “الجاهل” “المريض” (أي ببساطة: المتخلف – في وجهة نظرهم)، خرجت إرادة المصريين محطمة لأوهام الأبراج العاجية والمكاتب مكيفة الهواء.

لقد تعجب بعض الأجانب الذين تابعوا أحداث الثورة كيف يكون التعليم في مصر فاشلاً لدرجة لا تخفى على أحد والإعلام مسموماً والقمع سائداً ثم يكون عموم المصريين على هذه الدرجة من الوعي. وكل من شارك فاعليات الثورة الميدانية – خاصة قبل التنحي – يدرك تماماً من مشاهداته وحواراته مع غيره من المشاركين أن أبسط الناس كانوا على وعي تام بالمطالب الكلية والتفصيلية، وأن التفاوت في مطالب الأفراد لم يكن مرتبطاً بمستواهم التعليمي أو الاجتماعي بل برؤاهم الشخصية التي تتفاعل مع المستجدات.

لقد كتبت على “فيسبوك” تمهيداً لمظاهرات الغضب في 25 يناير هتافاً يطالب بسقوط الرئيس المخلوع ويربط مصيره بمخلوع تونس، فعلق عليه أحد الأصدقاء الأدباء موجهاً لي أني “مثقف” وأعرف أن الأمور لا تأتي بهذه الطريقة!! وكأن “الثقافة” تحتم على من “وصم” بها أن ينعزل عن حركة الشارع الذي يعج “بالغوغاء” “قليلي الوعي”!

خرج الشعب المصري بأميته وأمراضه المزمنة و”تدهور” مستواه الثقافي ليثبت أن فعل الجماهير أبلغ من كلام المثقفين، وأن إرادة الحشود أصدق من أقلام المستسلمين والكسالى.


الوهم الخامس: لا توجد حركات اجتماعية قوية ولا مؤسسات تقود التغيير

من الأوهام الشائعة في الأوساط الأكاديمية وجود إشكالية كبرى (أكدت الثورة أنها مفتعلة) متعلقة بعدم فاعلية المعارضة للنظام وذلك لضعف القدرات المؤسسية لدى الأحزاب والحركات السياسية. وحتى أولئك الذين اتسعت صدورهم لما هو أرحب من المطالب السياسية الكلية، فرأوا في دراساتهم أهمية المطالب الفئوية والضغط من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لم يتجاوزوا هذه الإشكالية.

لا يخفى على أحد ما كان واقعاً من هيمنة النظام الجاري خلعه على مؤسسات وتنظيمات المجتمع، وتغلغل أجهزته للأمن السياسي فيها واختراقها لأية محاولة جادة لتحقيق الاستقلال في المؤسسات النقابية والعمالية، فضلاً عن الأحزاب السياسية. ورغم التسليم بذاك الواقع المرير، إلا أن الحلقة المفرغة لم تخلُ من الدوران فيها من كل من الباحثين والناشطين الذين أضنتهم المحاولات اليائسة للمأسسة، وتطوير المؤسسة، وتأطير المبادرات العفوية، وتنظيم الأداء في أشكال إدارية تتفاوت في هرميتها.

أتت الثورة وكسرت الطوق، وتجاوزت المؤسسة، واستغنت عن القيادة، وتحققت نبوءة حفنة من شباب الباحثين والناشطين الذين تطلعوا في جدوى أكبر في العمل فيما بعد التنظيم وما بعد القيادة[2].

يتبع بالجزء الثاني .. الأوهام (6-10)

[1] الغريب أن هذا الباحث نفسه انضم لواحدة من لجان الحكماء التي كانت تحاول التفاوض مع النظام الجاري خلعه باسم الثورة. ورغم احترامي له ولتواجده في الشارع والميدان أكثر من مرة، إلا إنني كنت أنتظر منه – على الأقل – اعتذاراً صريحاً للشعب المصري الذي أهانه بمقالتيه اللتين سبقتا 25 يناير.

[2] استخدمت مصطلحي “ما بعد القيادة” Post-leadership و”ما بعد التنظيم” Post-organization في: توثيق وتفسير المبادرات الشبابية السكندرية في العقد الأول من القرن 21 في ضوء نظرية اللاحركات الاجتماعية، مشروع دراسة الحركات الاجتماعية، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 2010.

ويعد الباحث والناشط علي الرجال من أعمق من ينظّرون لتجاوز المؤسسة، بل تفكيكها والعمل خارج الأطر فيما يسمى “ما بعد النزعة المؤسسية” Post-structuralism.

 

3 ردود على عشرة أوهام أسقطتها ثورة 25 يناير (1-5)

  1. […] مع مكتبة الإسكندرية وجاري نشرها على مدونة صالون الإسكندرية أقيم يوم الخميس 3 مارس 2011 سيمينار بعنوان "أوهام حطمته […]

  2. […] للاطلاع على الجزء الأول (الأوهام من 1 إلى 5) اضغط هنا […]

  3. […] يسعدني عرضها بالكامل على حلقتين تجنباً للإطالة. للاطلاع على الجزء الأول (الأوهام من 1 إلى 5) اضغط هنا الوهم الخامس: لا توجد حركات اجتماعية قوية ولا مؤسسات […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: