استراتيجية النظام الإعلامية في انتخابات مصر التشريعية

تحليل إعلامي معمق نشر للزميل إسماعيل الإسكندراني على موقع صحافيون.

 

اتبع النظام المصري استراتيجية إعلامية خاصة وغير مسبوقة في إدارته لملف انتخابات مجلس الشعب التي انتهت جولتها الأولى يوم الأحد 28 نوفمبر. فبالتوزاي مع الإعداد التشريعي والقضائي والتنفيذي والأمني، والذي يرجع في خطواته الأولى لخمس سنوات سابقة، فور فوز الإخوان المسلمين بثمانية وثمانين مقعداً يمثلون 20% من برلمان (2005 – 2010)، تم رسم خطة إعلامية متكاملة لتؤدي الأهداف الاستراتيجية المرجوة من هذه الانتخابات التي تكتسب أهميتها من تشكيل برلمان ينتظر منه تمرير رغبة النظام في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل.

 

إسماعيل الإسكندراني

يمكننا فهم الاستراتيجية الإعلامية التي اتبعها النظام المصري في الانتخابات الجارية، حتى انتهاء جولة الإعادة، كهرم أو مثلث يتكون من ثلاثة أضلاع؛ هي “التهميش”، و”الترويع”، و”التكميم”. لكن الواقع يقول إن هذه الاستراتيجية ما هي إلا نموذج مصغر من الاستراتيجية العامة التي رسمها النظام ممثلاً في مؤسساته الرئاسية والأمنية والحكومية. وفي السطور القادمة أعرض لبعض ملامح كل ضلع منها على المستويين، العام والإعلامي.


استراتيجية التهميش والإقصاء

على المستوى العام يراهن النظام المصري على إبقاء الأغلبية العظمى من المجتمع المصري بعيداً عن الممارسة السياسية، ويحاول قدر المستطاع أن يبقيه بعيداً عن مجرد الاهتمام السياسي. لذلك فإن سياسات كثيرة وإجراءات لا تحصى قد تم اتخاذها وتفعيلها بغرض إلهاء القواعد الأعرض من الشعب عن الشأن السياسي العام، وشغلها بأمور أخرى، قد تكون تفاصيل اقتصادية أو فئوية، أو قضايا اجتماعية غير سياسية، أو أحداث رياضية، أو فنية، إلخ.


وبخصوص انتخابات 2010، ورغم استحالة تهميشها كلية إلا أن التقرير الثاني الذي أعده الائتلاف المستقل لمراقبة الانتخابات، والذي ضم ثلاث منظمات حقوقية مصرية أبرزها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، يرصد في الفترة ما بين 28 أكتوبر و16 نوفمبر أن قناة النيل للأخبار – القناة الإخبارية الرسمية – قد أتت في المركز الأخير من بين 8 قنوات أرضية وفضائية من حيث المساحة الزمنية التي خصصتها للانتخابات. ففي الوقت الذي أتت قناة ONTV في المركز الأول بنسبة 24% (أي حوالي 11.7 ساعة) لم يتجاوز الوقت الذي خصصته قناة النيل 6%، وهي نسبة مستغربة جداً، خاصة في ظل غياب قناة البرلمان المؤقتة التي تم بثها أثناء انتخابات 2005.


وبالإضافة إلى تهميش الموضوع، فإن هناك إقصاءاً تفصيلياً موجهاً للمعارضة الحقيقية، سواء الحالية أو تلك التي يتوقع منها “الإزعاج” في العام الحيوي المقبل. فلا أعتقد أن هناك صراعاً أيديولوجياً بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين التي تمثل أكبر فصيل معارض ذي شعبية جماهيرية ويمثل تهديداً حقيقياً في أية انتخابات مصرية، وذلك لأن النظام المصري الحالي لا يتحلى برؤية سياسية واقتصادية واضحة الملامح يمكن أن يطلق عليها “أيديولوجيا”. إنه نزاع سياسي محض بين نظام سلطوي يريد الاستمرار في الحكم والتحكم وبين حركة أيديولوجية لها مشروع إسلاموي كلاسيكي classical islamist قائم على التمدد التدريجي المعتمد على دعم المجتمع. ومنذ سنوات عدة بدأ بعض رموز النظام يصرّح، ومنهم أحمد نظيف رئيس الوزراء، أن “غلطة” 2005 لن تتكرر، في إشارة إلى فوز الإخوان غير المتوقع بخُمس البرلمان. وانطلقت بعدها الضربات المتلاحقة للجماعة، متمثلة في المحاكمة العسكرية في 2007، ومصادرة الأموال، وغلق الشركات، وتوالي الاعتقالات، وهدم بعض المشروعات الخيرية، والتضييق على أداء نوابهم في البرلمان، وعدم تعاون الحكومة بهيئاتها التنفيذية معهم ومع طلباتهم، فضلاً عن إقصائهم التام عن مجرد تقديم الأوراق في الانتخابات المحلية أو إتاحة الفرصة لأدنى قدر من المنافسة على أي من مقاعد مجلس الشورى.


أريدَ بهذه السياسة تهميش الإخوان المسلمين من الساحة السياسية العامة على مستوى التأثير والفعالية، واختصت الاستراتيجية الإعلامية في فترة انتخابات 2010 بتهميشهم قدر المستطاع في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، سواءً في الإعلام الخاص أو المملوك للدولة. فمن اللافت للانتباه خلو جميع البرامج الحوارية على القنوات المصرية عشية الانتخابات من ممثل لأكبر فصيل معارض في البرلمان المنقضية مدته. ورغم ادّعاء كل من هذه البرامج دعوتها لممثلي “أركان” العملية الانتخابية، إلا أن هذه “الأركان” – بحد تعبير منى الشاذلي مقدمة برنامج العاشرة مساءً – اقتصرت على المراقبين وممثلي الأحزاب واستبعدت الإخوان تماماً.


من الجدير بالذكر أن الأحزاب المصرية الرسمية مستأنسة كلياً سياسياً، فمن خرج منها عن الطوع – كحزب العمل – قد تم حله منذ زمن، كما تم تعطيل الأحكام القضائية المتتالية بعودة صحيفة “الشعب” الناطقة باسمه. ومن لم يستطع النظام حله – كحزب الغد – فإنه قد أثار الفتن داخله وسجن مؤسسه ورئيسه أيمن نور وأتى برئيس “مستأنس”، وكانت النتيجة هي وجود حزبين يحملان اسم “الغد”. وكذلك فإن اللجنة المختصة بالموافقة على تأسيس الأحزاب، وهي اللجنة التابعة لمجلس الشورى ذي التبعية الكاملة للحزب الوطني، قد رفضت تأسيس حزبي الوسط (الإسلامي)، والكرامة (القومي) لأن مؤسسيهما “يصعب استئناسهم”. وهو ما يمكن أن يفسر الانتهاكات والتضييق الأمني الشديد في دائرة “البرلس والحامول” التي يتمتع فيها النائب المنقضية مدته حمدين صباحي – رئيس مشروع حزب الكرامة – بشعبية جارفة، وهو من أعلن من قبل نيته في الترشح للرئاسة العام المقبل.


حينما يكون الظهور الإعلامي مقتصراً على أحزاب الوفد والتجمع والناصري في كل من وسائل الإعلام الخاصة والمملوكة للدولة، فإن الرسالة لا يمكنها إلا أن تكون واضحة: مرحباً بزملاء الأداء المسرحي! فصبيحة الانتخابات أشاد كل من السيد البدوي ورفعت السعيد – رئيسا حزبي الوفد (الليبرالي) والتجمع (اليساري) – بالانتخابات وقلّلا من حجم الانتهاكات واصفَيْن إياها بـ”التجاوزات العادية”، وفقاً لما نشره موقع الدستور “الأصلي”.


استراتيجية الترويع والإرهاب

أبدأ من حيث أنهيت الفقرة السابقة، فما هو الدستور “الأصلي” والدستور “المزيف”؟

قد يعجب غير المتابع للشأن المصري في الآونة الأخيرة إذا علم أن رئيس حزب الوفد، الذي لم تمض على رئاسته للحزب سنة، هو نفسه صاحب شبكة الحياة التليفزيونية، وهو المالك الجديد لجريدة “الدستور” الذي أسسها ورأس تحريرها الصحفي المعارض ذو النقد اللاذع إبراهيم عيسى، وهو من سبق أن صدر ضده حكم بالحبس بتهمة نشر إشاعة عن تدهور صحة الرئيس. وفي محاولة لترويضه أصدر الرئيس مبارك قراراً بالعفو عنه وفتحت له أبواب وسائل الإعلام الخاصة كمقدم للبرامج فيها وضيف على شاشاتها.


ولما اقتربت الانتخابات ولم يبدِ إبراهيم عيسى بوادر التهدئة الإعلامية، مارس النظام ضغطه على قناة “أون تي في” المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس فتم استبعاده من تقديم برنامجه الحواري عليها، ثم ما لبثت الأيام تمر حتى افتعل السيد البدوي (الوفدي الليبرالي) وشريكه، الذي لم يعمل في مجال الإعلام من قبل، خلافاً مع مؤسس ورئيس تحرير جريدة الدستور انتهى بفصله من العمل مع 10 صحفيين من فريق العمل الأساسي. ومن هنا صارت هناك طبعة لجريدة تحمل اسم “الدستور” وتصميمه دون محتواه الذي اعتاده من يعرف القراءة من المصريين، وبقي الموقع الإلكتروني تحت إدارة فريق التحرير “الأصلي”.


ما حدث مع إبراهيم عيسى من ضرب مباشر وغير مباشر استُخدم فيه “أحد رموز المعارضة” لم يكن ليصبح مقلقاً للسواد الأعظم من الإعلاميين، ذلك لأن عيسى يعتبر مشاغباً ومزعجاً ومبادراً بالهجوم – في رأي من يؤثرون السلامة من الصحفيين. لكن المزعج حقاً هو ما حدث مع واحد ممن لا يختلف اثنان من الوسط الصحفي والإعلامي على ولائه للرئاسة والنظام، وهو عمرو أديب، المقدم الرئيسي لبرنامج “القاهرة اليوم” على شبكة “أوربت”. فقد وجه الأخير انتقاداً حاداً للتغطية الترويجية المبالغ فيها التي نشرتها بعض الصحف المملوكة للدولة لزيارة “عادية” قام بها نجل الرئيس بصفته رئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني، وقد صرّح أديب نفسه أثناء نقده أن هذا الانتقاد لن يمر بسلام. فما لبث النظام، ممثلاً في الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، أن افتعل أزمة إدارية بخصوص تأخر دفع المستحقات المالية لتأجير استوديوهات التصوير في مدينة الإنتاج الإعلامي، ورفضت استلام هذه المستحقات مما أدى في النهاية إلى وفاة “القاهرة اليوم” إكلينيكياً.


إسكات عمرو أديب، شديد الموالاة للنظام وصديق رموزه وصاحب المصالح مع رجال أعماله، هو ما مثل التضحية بكبش فداء، أو “ذبح القطة” لبقية الإعلاميين، كما يشيع في التعبير المصري الدارج. ثم كانت الثالثة بغلق اثني عشر قناة فضائية على “نايل سات” دفعة واحدة، حتى لو كان هناك شيء من الوجاهة في حيثيات إغلاقها. لا يهم هنا حجم الضرر الفردي الواقع على شخص إبراهيم عيسى وعمرو أديب، ولا حجم خسائر الشركة متوسطة الحجم التي تملك القنوات الدينية التي تم إغلاقها على خلفية تأجيجها للاحتقان الطائفي المأزوم، بقدر أهمية ما نتج عن هذه الإجراءات من رعب لدى كل من ملاك بقية القنوات وإعلامييها.


غني عن الذكر أن أصحاب القنوات والشبكات ذات معدلات المشاهدة المعقولة هم كلهم رجال أعمال ذوو مصالح راسخة مع الحكومة المصرية ورموز النظام، فقنوات “دريم” مملوكة لأحمد بهجت صاحب المصانع الغذائية والشركات العقارية والترفيهية، و”المحور” لحسن راتب صاحب الشركات العقارية وجامعة سيناء الخاصة، و”مودرن” لنبيل دعبس صاحب المعاهد التعليمية الخاصة والشركات الاستثمارية، فضلاً عن “الحياة” التابعة لرئيس الوفد ومالك جريدة الدستور وصاحب شركة “سيجما” للأدوية السيد البدوي. ولا داعي للتأكيد على الوداعة البالغة لمقدمي البرامج الحوارية لدرجة أن تكون أشرسهم هي – للمفارقة – منى الشاذلي!


أما صحفيو الجرائد المطبوعة والإلكترونية وكتاب الرأي فيها، فتاريخ ترويعهم وإرهاب مُلاك الصحف الخاصة طويل، ولم يكن يحتاج إلى استراتيجية معدلة أو خطة خاصة لفترة الانتخابات. فأبرز الصحف الخاصة – ولا أقول المستقلة بأية حال من الأحوال – يملكها أو يرأس تحريرها حفنة من “ألطف” المصريين و”أطيبهم”. فإبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة الشروق (الجريدة ودار النشر) ورئيس اتحاد الناشرين العرب هو عضو بالحزب الوطني، ومجموعة رجال الأعمال مالكي جريدة “المصري اليوم” هم من كبار المطبعين مع الكيان الصهيوني ومن المستفيدين بفساد رجال الدولة والنظام في كثير من صفقاتهم الاستثمارية، لاسيما الاستيلاء على أراضي الدولة، و”صوت الأمة” يملكها عماد الدين أديب، الشقيق الأكبر لعمرو أديب، وهو المستشار الإعلامي للرئيس مبارك. ومن الطريف أن تكون الأخيرة أكثر الصحف إبرازاً  للحزب الوطني كما رصد تقرير الائتلاف المستقل لمراقبة الانتخابات، حيث خصصت 81% من المساحة المخصصة للانتخابات للحزب الوطني، مع تجاهل أخبار الاعتقالات التي طالت المئات من صفوف الإخوان.


أما رؤساء التحرير فهم “الأكثر حكمة” و”تعقلاً” على الإطلاق، وأكتفي بذكر أن رئيس تحرير “اليوم السابع”، الجريدة الإلكترونية الأولى في مصر وفق تقييم موقع ترتيب المواقع “أليكسا”، هو خالد صلاح، ربيب الأجهزة الأمنية وعميلهم وسط الجماعات الإسلامية التي احتضنته قديماً، كما يعلم الوسط الصحفي جيداً. وهي الصحيفة التي انحازت للحزب الوطني بنسبة 63% من المساحة المخصصة للانتخابات. أما جريدة الأسبوع التي يرأس تحريرها المعارض القومي الذي ينتقد الجميع إلا الرئيس، مصطفى بكري، فقد خصصت أكثر من نصف مساحة التغطية الانتخابية (57%) لأخبار الحزب الحاكم.


وإذا كان قد تم الانتهاء من ملف الصحفيين سليطي اللسان على النظام، كحمدي قنديل وعبد الحليم قنديل، كما تم التذرع بتسلل مجدي حسين إلى غزة دون تصريح ليحاكم عسكرياً ويسجن لمدة عامين (أي لما بعد الانتهاء من مسرحية الانتخابات الرئاسية)، وهو في الحقيقة عقاب على مقال نشره بعنوان “صهيونية مبارك”، فلا بأس من فلّ حديد إرهاب الكتاب والصحفيين بالمنع المؤقت لعلاء الأسواني من الكتابة لجريدة الشروق، وذلك في التوقيت الذي تنشر الأهرام مقالات للمطرب تامر حسني في باب “الثقافة والفنون” مستغنيةً عن فهمي هويدي وسلامة أحمد سلامة من كتاب أعمدتها! فهل يمكن أن يتصور أي عقل سلطوي إرهاباً مهنياً أكثر من ذلك؟


قد يكون مهماً هنا أن نلفت إلى أن العصا قد سحقت الجزرة، وأن الترغيب قد انزوى لصالح الترهيب، وأن ما تبقى من كتاب أو إعلاميين ذوي نقد وتعبير، بالقلم أو الميكروفون، يصنف على أنه معارضة أو مشاغبة، يبقيهم النظام على مضض لزوم تجميل الصورة، وتفادياً للضغوط الحقوقية والسياسية الدولية.


استراتيجية الحجب والتكميم

أخيراً وليس آخراً، لم ينسَ النظام أن هناك ما قد يخرج عن سيطرته الإدارية فكان لا بد من منعه، دون سابق إنذار. فبالتوازي مع كافة الإجراءات الإدارية والميدانية والأمنية التي اتخذت ضد مرشحي الإخوان، لدرجة شطب مرشحين كانوا نواباً لمدة عشر سنوات، ووصلت لحد الاعتداء البدني على نوابهم أثناء جولاتهم الترويجية، فعّل النظام قدرته التقنية وحجب كافة مواقع الإنترنت الرسمية التابعة للإخوان المسلمين، ويبلغ عددها سبعة مواقع، بالإضافة إلى موقع رصد الانتهاكات الذي دشنوه تحت عنوان “شاهد2010”.


هنا يعود الشك في السبب الحقيقي وراء إغلاق صفحة “وحدة الرصد الميداني” على الفيسبوك، وما رافقها من حجب مؤقت لصفحتي “كلنا خالد سعيد” و”مؤيدي البرادعي”، الذي لم تلبث إدارة الفيسبوك أن اعتذرت عنه وأعادت الصفحتين مبلغة بعض من راسلها من المدونين والنشطاء وأعضاء الصفحتين أن السبب لم يكن طلباً من الحكومة المصرية، وإنما كان تقنياً مرتبطاً بحسابات مديري الصفحتين.


ليس فيما مضى ابتكار تكتيكي بقدر ما في خطة النظام المصري في تكميم أفواه القنوات الفضائية التي لا تملك سطوة التأثير المباشر عليها. فقد عمد النظام، ممثلاً في إحدى هيئاته الإعلامية، إلى تأجير كافة وحدات تجميع الأخبار فضائياً SNG من الشركات التي توفر هذه الخدمة لمكاتب القنوات الفضائية الإقليمية والعالمية. هذه الشركات لا يعنيها إلا قيمة الإيجار (بالساعة) الذي لم يتردد النظام في دفعه بسخاء مقابل تحكمه في توزيع الخدمة لمن يريد – اضطراراً – حيث تم وضع جدول للبث بحيث تعطى القنوات مساحات تتخلل الأوقات المستأجرة من قبل الجهاز الحكومي المصري. النتيجة العبقرية لذلك هي اقتصار تغطية معظمة القنوات على دائرة واحدة من القاهرة تتسم بالهدوء النسبي، بحكم الحسم المسبق الأكيد لمرشح مقعد الفئات بها، أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب لأكثر من 20 عاماً.


الجهة الإعلامية الأجنبية الوحيدة التي شبت عن الطوق، وأرادت إنتاج ما يراه إعلاميوها مناسباً منعت تماماً من التغطية واضطر طاقمها لمغادرة مصر، بل تجرأ ممثلو النظام المصري ووصفها بالانحياز وعدم المهنية، في حين أن الجميع يعرف قدر “مدرسة البي بي سي” في المهنية الصحفية والإعلامية.

 

لا أدّعي أن هذه الاستراتيجية حملت لدى النظام نفس العناوين التي اخترتها للتعبير عن مضمونها، ولا أظن أنها قد رُسمت بهذا الإحكام مترابط الأجزاء، لكن النتيجة النهائية أن هذا هو ما حدث قطعاً، فالتحليل الراهن أقرب للاستنقراء منه للاستنتاج.

 

إجراءات ليست استراتيجية

وفي النهاية، لا يفوتنا أن نلفت إلى دقة اختيار النظام للمتحدثين باسم الحزب الحاكم طيلة فترة الانتخابات، ولاسيما يوم الاقتراع. فالوجوه الشابة – نسبياً – كحسام بدراوي، رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب في دورة (2000-2005)، وأحمد عز، أمين التنظيم، ومحمد كمال، أمين التثقيف السياسي، ويضاف إليهم علي الدين هلال، أمين الإعلام بالحزب، يشتركون جميعاً في الخبرة والتدريب الجيد على التحدث لوسائل الإعلام إضافة إلى ما يتمتعون به من استعدادات شخصية ومظهرية تؤهلهم للقيام بهذا الدور.


ومع ذلك، فإن اختيار الواجهة الحسنة للتحدث باسم الحزب لا يعتبر جزءاً من الاستراتيجية بقدر ما هو قرار إجرائي توافقي، حتى لو كان مدروساً بعناية. فالأوزان النسبية للأمور يختلف تقديرها وفقاً للهدف الرئيسي، فلو كان الهدف الاستراتيجي هو كسب معركة انتخابية حقيقية كان يمكن تقبل فكرة أن الحزب يسعى – استراتيجياً – لتحسين صورته الداخلية معتمداً في ذلك على عناصر مؤهلة. الحقيقة أن صورة النظام لا تهمه إلا خارجياً حيث يقوم بهذا الدور عدة أجهزة لا تتضمن – على الأرجح – أياً من هؤلاء الأربعة.


الشق الثاني من الإجراءات، التي لا يعتبرها هذا التحليل استراتيجية، هو بوق الدعاية الموجهة لصالح الحزب الوطني وضد الغريم الرئيسي، جماعة الإخوان المسلمين، والذي ساد خطاب القنوات الحكومية ومساحات التغطية في القنوات الخاصة. فعلى سبيل المثال يرصد تقرير الائتلاف المستقل لمراقبة الانتخابات أن القناة الأولى خصصت لحزبي الوطني والوفد حوالي ثلاثة أرباع التغطية (47% للوطني و25% للوفد) وقد خلت تقريباً من الطابع السلبي، في حين خصصت 0.5% للإخوان المسلمين غلب عليها الطابع السلبي بنسبة 82%. وهي في ذلك تعد أفضل حالاً من القناة الثانية التي خصصت 78% للحزب الوطني منها 75% ذات طابع إيجابي، و14% للوفد، وأخيراً 0.5% للإخوان ثلثاها سلبي.


ومع ذلك فإن أحداً لا يستغرب هذا الأداء، ولم يكن يُتوقع أفضل من ذلك أصلاً، لذا فإن هذه الإجراءات، رغم تقاطعها مع استراتيجية التهميش الذي ساد في كل من الإعلام الحكومي والخاص (حيث خصصت دريم 3% للإخوان، والحياة 2%، وحتى ONTV التي خصصت 26% للجماعة فإن 70% منها كان سلبياً)، إلا أن هذا الطابع السلبي الغالب عليها لا يعدو كونه متعارفاً عليه منذ عشرات السنين، ولم يطرأ عليه اختلاف جوهري.

رد واحد على استراتيجية النظام الإعلامية في انتخابات مصر التشريعية

  1. Doaa Gaber قال:

    بجد أستفدت كتير من التغطية دي خصوصا ان كلامك موقع بتحليلات منطقية

    شكراااا ليك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: