أوهام تراجع ما يسمى “الطبقة الوسطى”

 

أجرينا في الملتقى الفكري الأدبي بالإسكندرية يوم الثلاثاء 9 نوفمبر حلقة نقاشية حول الطبقة الوسطى، وما أسميه أنا “الأوهام” المتعلقة بها. كان من المفترض أن تناظرني الزميلة خلود سعيد وتعرض أفكارها حول “اندثار” الطبقة الوسطى، و”اضمحلالها”، و”تراجع دورها”، وما إلى ذلك من أطروحات متأثرة بكتابات د. جلال أمين وعلاء الديب ومن دار في فلكهما. في حين أرى أن هناك خزعبلات فكرية كثيرة متعلقة بالطبقة الوسطى سواءً على مستوى المفهوم أو الوجود أو الدور. حال المرض دون حضور خلود، وحل محلها في الحديث الزميل علي الرجال، ليس متبنياً لوجهة نظرها وإنما عارضاً أفكاره المتوازية مع أفكاري دون تطابق بيننا. أترك المجال مفتوحاً لكل من خلود وعلي لعرض أفكارهما في هذا الموضوع بنفسيهما، وأكتفي بعرض رؤيتي الشخصية في السطور القادمة.

وهم تراجع الطبقة الوسطى

رؤية إسماعيل الإسكندراني

يؤسفني أن تشيع المصطلحات ويرددها “المثقفون” دون نقد أو تمحيص أو إعادة نظر من وقت لآخر. وأحد أهم المصطلحات الرائجة هو “الطبقة الوسطى”، الذي يقترن ذيوعه أيضاً بصورة ذهنية معينة – في السياقات الفكرية والأدبية والإعلامية، وليس الأكاديمية – تجعله دائماً حديث شجون وبكاء على الأطلال. وما إن ينطق أحدهم: “يزداد الأغنياء ثراء والفقراء عوزاً” حتى تدور الأفكار في خلد أصحابها متنهدين: إيييييه وأين أهل المنتصف؟!

 

أوهام المفهـوم والمحددات

وبدايةً أسأل: ما هي الطبقة الوسطى؟ وما الذي تتوسطه؟ هل تتوسط طبقتين أم أكثر؟ وكيف نشأ المصطلح؟ وما هي محددات الطبقة؟

في اللقاء استعرض علي الرجال نشوء ما يسمى بالطبقة الوسطى في مصر وتطورها بدءاً من دولة محمد علي الحديثة في مصر التي أراد أن يحاكي بها نظام الدولة الأوروبية. لكن دعوني أبدأ بمعالجة المصطلح بمفهومه اللغوي المباشر البسيط. فالوسطى هي تأنيث الأوسط، والأوسط هو ما يتوسط طرفين (كالمصطلحين الأمريكيين: الشرق الأدنى والشرق الأقصى اللذين يتوسطهما الشرق الأوسط)، أو عدة أطراف (كالشمال والجنوب والشرق والغرب). هل فكرنا يوماً أن الطبقة “الوسطى” هي تلك التي تتوسط ثلاث طبقات تحتها وأربع طبقات فوقها؟ أم أن السائد هي أنها تتوسط طبقتين، قد نختزل التعبير عنهما في كلمتي “الأثرياء” و”المدقعون”؟

ليس هذا سؤالاً سفسطياً، لأن تراثنا العربي زاخر بالأدبيات التي ناقشت “وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ” في تطبيقاتها الاجتماعية. قد تكون المحاولات الأولى مضحكة نوعاً ما، كتصنيف الفارابي لدرجات الخلق بدءاً من الخالق ثم درجات البشر استهلالاً بالأنبياء وانتهاءً بالبسطاء وأصحاب المهن أو الأوضاع المتدنية. في حين أن تقسيمات ابن خلدون وغيره يمكن إمعان النظر فيها كنوع من كسر الاستقطاب الاختزالي لدرجات الناس؛ أعلى وأسفل، وبينهما “وسط”. وعن مصر تحديداً كتب المقريزي في “إغاثة الأمة بكشف الغمة” في القرن الخامس عشر الميلادي: “أن الناس في إقليم مصر على سبعة أقسام (أي طبقات)؛ القسم الأول: أهل الدولة، والقسم الثاني: أهل اليسار من التجار وأولي النعمة من ذوي الرفاهية، والقسم الثالث: الباعة وهو متوسط الحال من التجار، ويقال لهم أهل البز، ويلحق بهم أصحاب المعاش وهم السوقة، والقسم الرابع: أهل الفلح، وهم أهل الزراعات والحرث وسكان القرى والريف، والقسم الخامس: الفقراء، وهم جل الفقهاء وطلاب العلم والكثير من أجناد الحلقة ونحوهم والقسم السادس: أرباب الصنائع والأجراء أصحاب المهن، والقسم السابع: ذوو الحاجة والمسكنة، وهم السؤال الذين يتكففون الناس ويعيشون منهم”[1].

كنت أظن أن الاستقطاب الثنائي للطبقات هو نوع من التأثر البيّن بأدبيات الماركسية حول الثنائية الطبقية التاريخية. فحتى لو لم يتعرض ماركس لمصطلح “الطبقة الوسطى”، مَن ينكر أن له البصمة الأوضح في إبراز فكرة الطبقية، وإن تعسف فيها واختزلها في الصراع الطبقي؟ ثم فوجئت أن أول من تكلم عن الطبقى الوسطى في مصر هو “أنطوان كلوت” – الطبيب الفرنسي الذي أوكل له محمد علي بمهام مختلفة ومنحه لقب “بك” فصار معروفاً بـ “كلوت بك” – حيث أدلف من توطئته حول خصوصية مصر عن غيرها من البلدان والأقطار بقوله: “إن معظم الأمم العربية قد تكونت على أثر تخلصها من الغارات والفتوحات مما جعلت هذا المجتمع خليطاً لنوعين من الأجناس (الطبقات)؛ الأجناس الغالبة، والأجناس المغلوبة على أمرها، حيث كانت الطبقة الغالبة تتكون من الفاتحين، بينما الطبقة الثانية تمثل عامة الشعب. ولكن إلى جانب هاتين الطبقتين ظهرت طبقة ثالثة تدعى بالطبقة الوسطى، التي أخذ نفوذها يمتد شيئاً فشيئاً حتى إذا ما بلغت مستوى الطبقة الشريفة حصلت على المساواة بها في الشؤون المدنية”[2].

يمكنني هنا أن أشكك في أصالة المصطلح واستيراده، بل التأكيد على أن الثلاثية الطبقية لم تنشأ إلا بواسطة ضيف على مصر أطال المكوث فيها حتى وافته المنية. وحينما أدرك المتأثرون بالتقسيم الثلاثي للطبقات هذا الخلل بدأوا يتحدثون عن “شرائح” الطبقات! لكنهم – رغم ذلك – لم يستطيعوا فكاكاً من التقسيم الثلاثي، فإذا بهم يتأثرون ثانيةً بالأدبيات الغربية؛ حيث الشريحة العليا والشريحة “الوسطى” والشريحة الدنيا من “الطبقة المتوسطة”!

كيف نحدد الطبقة؟

ولو تجاوزنا المفهوم اللغوي للطبقة الوسطى وتحدثنا بشكل إجرائي عن الطبقة الوسطى في مصر، فما هي محدداتها؟

من العجيب أن يسبقنا المقريزي بقرون عديدة في استخدام المدخل المركب في تحديد الطبقات (السبع لا الثلاث)، فقد بنى تقسيمه في ضوء الدخل وأسلوب الحياة والمهنة، في حين يصر بعض “المفكرين” و”المثقفين” على إتحافنا بين الحين والآخر بمحدد واحد للطبقة. ورغم وجود دراسات سوسيولوجية مصرية ترجع إلى سبعينيات القرن الماضي وتدرس التكوين الطبقي ومحددات الطبقة، إلا أن السائد في الكتابات الانطباعية في الكتب المتداولة والجرائد السيارة هو التجاهل التام للأدبيات الأكاديمية والارتماء في أحضان الاختزال السطحي.

اعتراضي الشديد هنا موجه ضد أولئك الذين يحددون الطبقة في ظل علاقتها بالدولة والنظام الحاكم، لا في ضوء مكانتها ودورها الاجتماعي بمفهومه الواسع الذي يشمل التنشئة الاجتماعية للأفراد والضبط الاجتماعي. دائماً تجترنا الكتابات الاختزالية إلى تلك اللحظة العارضة التي برز فيها تأثير “طبقة متوسطة” من المصريين على مجريات الأمور العامة والتاريخية، كتشكيل الأحزاب المصرية وثورة 1919 وتحريك الشارع المصري في مواجهة الاحتلال وتواطؤ النظام الملكي ثم ازدهر فجأة بتولي فئة من هؤلاء “الأواسط” مقاليد البلاد ورقاب العباد ليتم تسليم المجتمع المصري من عسكري لآخر يقتل الدور السياسي لما يسمى بـ “الطبقة الوسطى”.

هنا يفتضح الخلل من جانبين؛ الأول هو أن نرى الطبقة “الوسطى” وكأنها قناة اتصال بين العوام من الناس وأولي الأمر والنهي في البلاد، فيكون مفهومها أقرب لصوت الجماهير – أو بالأحرى مكبر صوت الجماهير – وناقل اعتراضهم ورغباتهم في توجيه السياسات العامة للبلاد. وهنا يكون المحدد وظيفياً عارضاً، وليس بنائياً أقرب للثبات والاستقلال أو حتى وظيفياً بشكل ديناميكي يميل إلى تجديد نفسه في ضوء ديمومة علاقةٍ ما بين الطبقات[3].

والجانب الثاني للخلل هو الاقتصار على “الطبقة الوسطى” الحضرية في مجتمع أغلبيته ريف أو شبه ريف. فهل قرأنا يوماً لـ “مثقف” أو سمعنا عن “مفكر” يحن إلى الدور التاريخي الذي كانت تؤديه الطبقة الوسطى الريفية؟ هل فكرنا يوماً ونحن نهفو إلى ذكريات “الطبقى الوسطى” أن مصر أوسع من القاهرة الكبرى والإسكندرية وبعض المناطق القليلة في الدلتا؟ بل إن أغلبية سكان المحروسة هم خارج هذه البؤر المركزية التي تستأثر بتصريف شؤون البلاد والعباد؟!

حينما أنظر سريعاً إلى التراث الأكاديمي المصري الحديث، خاصة غير المنشور، في دراسة الطبقات الاجتماعية أجد العجب مما لم أتعرض له في حديث الفضائيات والكتب الأكثر مبيعاً ومقالات المشاهير. فالدراسات السوسيولوجية الحقيقية – لا الانطباعية – مجهولة لأغلب الناس. فمن يعرف غريب سيد أحمد ومحمود عبد الفضيل وعبد الباسط عبد المعطي وإبراهيم عامر؟ هؤلاء هم من أثروا المكتبة الأكاديمية بدراساتهم متعددة المداخل والمنظورات ومقاييسهم مركبة المحددات من أجل رصد الوضع الطبقي في مصر في أزمنة معينة في العصر الحديث وفهمه وتفسيره. أكتفي بإشارة سريعة إلى تطوير غريب سيد أحمد للمقاييس الموضوعية التي وضعها محمد عاطف غيث لتحديد الطبقة، حيث رسم الأخير الطبقة بين أضلاع المقياس الاقتصادي والاجتماعي والسيكولوجي، أما د. غريب سيد أحمد فقد حدد مائة درجة للوضع الطبقي مقسمة وموزعة على العوامل الاقتصادية (بنسبة 50%) والمهنية (بنسبة 30%) والتعليمية (بنسبة 20%)[4]. أين هذه المحددات المركبة من الحديث عن كوب الشاي الذي كانت ترتشف منه الطبقة الوسطى في شرفة المنزل ساعة “العصاري” أيام الزمن الجميل؟ إيييييه دنيا!

أوهام الوجود والاختفاء والتلاشي والاضمحلال

أضطر آسفاً لتجاوز التنظير المفاهيمي منتقلاً إلى المدلول “الفهلوي” للطبقة الوسطى. فهناك شيء ما قد يفهمه “مثقفو” الحضر والمدن من مصطلح “الطبقة الوسطى” كما يفهمون ما تعنيه إذا أخبرت أحدهم أنك ستزوره “بعد العشاء” – رغم أنه موعد مطاط جداً قد يمتد إلى قبيل الفجر. وأستميح غالبية سكان مصر – أهل الريف – عذراً لأني سأكتب الآن عن أوهام تراجع “وجود” الطبقة الوسطى بمفهوم الأدباء والشعراء و”المفكرين” في قصور ثقافة العاصمتين، القاهرة والإسكندرية، ومقاهي وسط البلد واستديوهات القنوات.

كما أعتذر للأكاديميين – مؤقتاً – لأني سألجأ إلى الاختزال المتسلسل متسائلاً:


مئات الألوف من السيارات “المتوسطة” تجوب شوارع القاهرة والإسكندرية. فمن تخص هذه السيارات؟ الفقراء أم الأثرياء؟

ملايين المصريين يحملون شهادات جامعية، منهم مئات الألوف يحملون درجة الماجيستير، ولْنقُلْ إن عشرات الألوف يحملون الدكتوراة. فإلى أي طبقة ينتمي أغلب هؤلاء؟

الجامعات والمدارس الأجنبية والخاصة تعج بملايين التلاميذ والطلاب. أُسَر أي طبقة ترسل أبناءها إلى هذا النوع من المؤسسات التعليمية؟

النقابات المهنية تئن من أعباء أعضائها المتزايدين وهم عشرات الألوف المؤلفة. فهل هي نقابات للميسورين أم روابط للمساكين؟

النوادي الاجتماعية والرياضية لا تستوعب الأعداد الغفيرة من المواطنين بالصيف. فمن هم روادها؟

 

كل هذه الأسئلة وأكثر أقطرها في أعين المصابين بـ “العمى الطبقي”، وأضيف عليها إمكانية تركيب سؤالين أو أكثر منها. يمكنك مثلاً أن تسأل عن نسبة الأسر التي تملك سيارة وترسل أبناءها إلى مدارس خاصة وتذهب لتصطاف على سواحل البحر المتوسط؟ (ولن أقول البحر الأحمر وسيناء). ومن المهم جداً أن ندرك أن الانتماء الطبقي في مصر “عائلي” وليس “فردياً”، فالأغلبية الساحقة من شعب مصر لا يعيشون إلا كأعضاء في أسر، سواءً قبل الزواج في بيوت عائلاتهم، أو بعده في أسرهم التي يكوّنونها هم. ويندر جداً أن نجد النموذج الغربي في استقلال الشباب الأعزب عن عائلاتهم، وما ينتج عنه من انفصال في الارتباط الطبقي بين الفرد وعائلته.

الطبقة الوسطى بين النوستولجا والاغتراب الطبقي

الحنين إلى الماضي والاشتياق إليه هو ما تعبر عنه اللفظة الرومانتيكية ذات الجذور اليونانية nostalgia. وهي تلك الحالة التي لا تنفك عن الباكين على أطلال “الطبقة الوسطى”. ففي رأيي، يتم إقحام موضوع “الطبقة الوسطى” في سياق الحسرة على تدهور المجتمع المصري ورضوخه تحت وطأة حكم الفراعين الجدد الذين أبادوا الأمل في نفوس الكثيرين. حينما تداعب الأشواق ذكرياتهم، خاصة إذا صدمهم منظر بشع أو حادثة مروعة أو معلومة مذهلة من واقعنا المؤلم الذليل، فإن نفوسهم تتوق إلى أمجاد الماضي، وأخلاق ناسه، وبراح بيوته، وجمال عمارته، وشهامة رجاله، ومروءة نسائه، وحياء بناته، وسهولة مواصلاته، ورخص أسعاره، ورحمة شعبه، وتكافل جيرانه، وعزة قوميته، ووحدة عروبته .. وفجأة يروعهم ما حدث لـ”الطبقة الوسطى”!

لهم كامل الحق في التطلع إلى أي زمن – ولو كان عصور ما قبل التاريخ – فبالتأكيد سيكون أفضل من عصر الاستقرار في القاع الذي نتجرعه هذه الأيام، لكنه ليس من حق من ملك منهم مقدرة على الكتابة والنشر أن يصدر لنا مشاعره واشتياقاته على أساس أنها ملاحظات إمبريقية سوسيولوجية متعمقة.

أعتقد أنهم يعانون – بجانب الحنين المبالغ فيه إلى الماضي – من مرض أسميه “الاغتراب الطبقي”. فشعور أبناء حي معين بهويتهم الطبقية ثم مرورهم بتقلبات اجتماعية وتاريخية جعلت أبناء مناطق – أو ربما محافظات – أخرى يجاورونهم في السكن والعمل، مع ما قد يصاحب هؤلاء الوافدين – لو صح التعبير – من قيم وسلوكيات وعادات مختلفة، تجعلهم بالطبع يشعرون بشيء من “عدم الاستقرار الطبقي”. ولكن لماذا نتحيز ونسميه “عدم استقرار”؟ أليس من اللائق أن نصفه بـ “الحراك” الطبقي أو حتى الاجتماعي؟!

بغض النظر عن إيمان الأفراد – أو المجموعات – بسلامة المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أدّت لهذا النوع من “الإحلال الطبقي”، أليس من الأنسب الاعتراف بأن الذي تم هو تغيير – ولو كان جذرياً أو واسعاً – في طبيعة المنتسبين للطبقات وثقافتهم الفرعية وعاداتهم وقيمهم وسلوكياتهم؟

لا ينبغي أن ننسى أن الطبقة الوسطى (الحضرية) لم يكن لوجودها أن يستمر بعد انقلاب يوليو 1952 إلا لأن الضباط – أبناء “الشريحة الدنيا” من “الطبقة المتوسطة” – قد دخلوا في عداء مع الطبقة العليا فقط من الرأسماليين والبرجوازيين أصحاب الأراضي والأملاك والمصانع والشركات (ولا أردد أوهام اليسار المصري بالحديث عن أكذوبة “الإقطاع” و”الإقطاعيين”). وبعدها، لم تستقر أوضاعها إلا بسبب شمولية الدولة واشتراكيتها وضمان دخل كافٍ ثابت لموظفي الحكومة والقطاعات التابعة لها. التدهور الاجتماعي الكبير بدأ في انفتاح “السداح مداح” ولم ينته بدولة الخدمات[5] والخصخصة، دون أن يتم تأهيل “الموظفين” مسبقاً على التأقلم مع المتغيرات. وبالتأكيد أنا لا أدافع عن سياسات أي عهد من الثلاثة، لكني فقط ألفت إلى أن غالبية من لم يستطع التكيف تدهورت أحواله وانتقل من محل سكنه، أو حوصر بوجوه جديدة لم يألفها منذ الصغر، ولم يكن له صداقات ولا زمالات (ولا تجارب عاطفية) معهم.

هنا لا يلجأ صاحب الحنين إلى عدم الاعتراف بهؤلاء الـ… كأقران له في الطبقة ذات التاريخ المجيد. ولأن أبناء طبقته لا يليق بهم المجاهرة بازدراء الناس، فإنه لا يصرح باعتقاده أنهم (مجموعة من الأوباش الحوش آتون من زرائبهم من وراء البهائم ليزاحموا أبناء العائلات المحترمة أصحاب المهن المرموقة خريجي مدارس الإرساليات)!!

إنها إذن صورة ذهنية ملازمة لحالة الحنين تتحيز لاعتبارات ذاتية معينة وتصيب صاحبها برفض صريح أو ضمني للاعتراف بأن حراكاً طبقياً رأسياً ثنائي الاتجاه قد حدث. والمؤسف هنا هو الحالة الزائفة من التعميم “الموضوعي” التي ترافق كتابات هؤلاء المشتاقين إلى أمجاد الماضي، وطبقاته.

أوهام متعلقة بأدوار “الطبقة الوسطى”

وبعيداً عن التنظير الفكري والأحاسيس والمشاعر الطبقية، ننطلق إلى الشق العملي من قضية “الطبقة الوسطى”. فما هو الدور الخرافي الذي كانت تقوم به في الماضي وتعجز الآن عن القيام به؟ أو ما هي ملامح مكانتها المتدهورة؟

برأيي هذه إشكالية مفتعلة، لأنها مجرد امتداد للصورة الاختزالية للطبقة “الوسطى” الحضرية حيث تتداخل وتتشابك مع ما يسمى “النخبة” أو “الصفوة” وتؤثر في قرارتها. والحقيقة أن الدور الاجتماعي المفتقد للشريحة العليا من الطبقة الوسطى تحديداً مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيروقراطية والتسلسل الهرمي الإداري في دواوين الدولة، كما هو لصيق بالعلاقات غير الرسمية، سواء مشروعة أو غير مشروعة، بما يسمى “النخبة”. ونحن الآن في عصر وصل فيه الفساد إلى الركب – على حد وصف مفيد شهاب لحالة المجالس المحلية – وبالتالي لا يتصور أن تكون البيروقراطية فاعلة لأن الفساد خرق التسلسل الهرمي، ولأن المال أصبح فوق القانون والنظام بما صنع إحلالاً وتبديلاً في طبيعة العلاقات غير الرسمية والأنشطة المرتبطة بها التي تجمع “النخبة” الحاكمة بمن هم خارج سلك السلطة التنفيذية.

أعود الآن لأتصالح مع غالبية سكان مصر، وأناقش دور الطبقة الوسطى الريفية الذي لم يكن يوماً ذا صلة مباشرة ولا مؤثرة في السياسات العامة للدولة، وإن تأثر بها قطعاً. هل تراجع دور شيخ جامع القرية أو أسقف كنيستها؟ هل فقد المهندس الزراعي سطوته الأدبية على المزارعين؟ هل قلت أهمية الطبيب البيطري؟ وماذا عن تجار الريف ومالكي وسائل النقل والمواصلات (بغض النظر عن ملاك الأراضي)؟ هل اضمحلت مكانة المعلم والمعلمة، سواءً في الكتّاب أو المدرسة؟ هل يستطيع جهاز الشرطة تجاوز كبراء العائلات في الصعيد والنواحي المتميزة بالقبلية؟

إن “الدور” الاجتماعي والاقتصادي الذي تؤديه الطبقة لهو أوسع بكثير من المفهوم الضيق للتأثير على توجيه السياسات العامة للدولة. فرغم المركزية المتطرفة التي جرفت مصر وصحّرتها، إلا أن اليد العليا في التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي غير الرسمي وتوريث الثقافة وتوجيه السلوك – إن خيراً أو شراً – لا تزال للطبقة “المتوسطة” – بالمفهوم الفهلوي. وأوضح دليل على ذلك هو حجم الأموال والجهود التي تبذل في سياق العمل التطوعي غير السياسي، أي التنموي والخيري والثقافي والتوعوي. من الذي يقوم بهذه الأنشطة؟ ومن ينفق تلك الأموال الطائلة؟ أستطيع أن أزعم – في ضوء تجربتي الشخصية وعملي التطوعي متعدد المجالات – أن الأثرياء لا يساهمون إلا بأقل القليل وأن الفقراء قد ألهاهم الاحتياج عن التطوع في غير ما اعتادوه من تكافل ضيق الحدود على مستواهم مع من هم أقل فقراً منهم، والغالبية العظمى من النشطاء والمتطوعين والمتبرعين هم ممن يندرجون تحت التصنيف – الذي أرفضه – والذي يقول إنها الشرائح الثلاث للطبقة الوسطى.

ماذا بعــد؟

إنها دعوة للنقد والتجديد الفكري، ورغبة في الفصل بين المشاعر والانطباعات الذاتية وبين الكتابة الموضوعية، وتطلع إلى واقعية اجتماعية تصقل مهاراتنا في تفسير الماضي وفهم الحاضر وصنع المستقبل الذي نصبو إليه. ومن جانب آخر فهو إعلان للتمرد على الكسل الاجتماعي المتذرع بتحول الطبقة الوسطى إلى أقلية مضطهدة والبحث عن إنقاذ إلهي لأحوال الأواسط من الناس. الجانب العملي من هذا المقال يتلخص في عبارة بسيطة: ليس لأي فرد ولا لأية مجموعة عذر في التقاعس عن أداء الدور الذي تفرضه اللحظة الراهنة.

_______________________________________

 

[1] تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، إغاثة الأمة بكشف الغمة (في) السيد رشاد غنيم، دراسات في علم الاجتماع الريفي، مطبعة البحيرة، 2007.

 

[2] أنطوان ب. كلوت، لمحة عامة إلى مصر، الكتاب الثاني، ترجمة محمد مسعود (في) السيد رشاد غنيم، دراسات في علم الاجتماع الريفي، سبق ذكره.

 

[3] رغم اختلافي مع المنظور الماركسي للطبقات ومحددها الاختزالي التعميمي فيا يخص علاقات الإنتاج والصراع الناشب عنها، إلا أنه يعد أفضل وأكثر وضوحاً وديمومة من تحديد الطبقة “الوسطى” في مصر في ضوء لحظة خاطفة قامت فيها بدور تاريخي معين.

 

[4] غريب سيد أحمد، الاتجاه السوسيولوجي في دراسة الطبقة: دراسة مقارنة بين الريف والحضر، رسالة دكتوراة، مكتبة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 1971.

 

[5] يرى علي الرجال أن الاقتصاد المصري تحول مؤخراً إلى الخدمية بشكل كلي، وأتحفظ أنا على التعميم الأفقي والرأسي الذي يتبناه هو.

3 ردود على أوهام تراجع ما يسمى “الطبقة الوسطى”

  1. Aly ElRaggal قال:

    والله حاجة جميلة وجهد قوي مبذول يا سمعا، تسلم اديك ياريس.

    أنا أري بس إن فيه بعض المشاكل في المنهجية المتبعة ةاللي أنت هاجمت الناس بشدة عليها. ثم إن هنالك بعض المجادلات تحتاج إلي المراجعة من وجهة نظري.

    أرجو من الله إني أسترجل كده وأكتب مقالة أوضح فيها نقاط نقدي ليك.

  2. Abdel-Rahman قال:

    جهد مشكور يا مستر سمعة وإن كان في وجهة نظري المتواضعة مغرق في الخلافات الأ:اديمية والتاريخية والدلالية والمفهومية واللغوية، ويبتعد بنا قليلا عن البحث عن دور تلك الطبقة في المجتمع وكيفية استفزازها وتحفيزها للقيام بدورها الحيوي، أ هي خطوة لاحقة لم تأت بعد.
    أتمنى أن أجد الوقت الكافي برده للكتابة، ومنتظر المزيد من كل شخص في المدونة

  3. شكراً لكما

    لكني أود توضيح أني معترض على التسمية أصلاً، ولذلك لجأت إلى التأصيل المفاهيمي. واعتراضي ناشيء عن الخلل الكبير في الخطاب السائد المتعلق بما يسمى “الطبقة الوسطى”.

    أما الشق العملي، فهو غير متعلق بطبقة معينة، فكما أوضحت في آخر فقرة (ماذا بعد؟) هو أن أحداً ليس له أي عذر في التراجع والنكوص

    وأن نخص الطبقة الوسطى بدور معين يرتقب منها وينتظر لهو شيء من التعسف والسفسطة الفارغة

    يعني باختصار وبالعامية: اللي عايز يشتغل ويعمل حاجة يتفضل .. واللي عايز يتكلم في المفاهيم ما يزعلش لما يتحط عليه..

    بس خلاص🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: